فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 584

وسلم (1326) ، ولا يبدو هذا التقسيم محكمًا، وتفريقه بين معرفة التعبد والعبادة، وإرجاع الأول إلى القرآن، والثاني إلى السُّنَّة يشوبه بعض الغموض؛ ولذا لم يلتزم به أئمة المعتزلة، وإن كان قد مهد السبيل إلى ظهور التقسيم الثلاثي، الذي سيتطور في مراحل لاحقة.

ثم تحدد التقسيم بصورة أكثر دقة وإحكامًا عند كلٍّ من القاضي عبد الجبار (1327) ، وأبي الحسين البصري (1328) ، والحاكم الجشمي (1329) ، وصارت الأمور العقدية تنقسم بحسب نوعية الدلالة السائدة فيها تقسيمًا ثلاثيًّا على النحو التالي:

أولًا: ما لا يُعلم إلا من جهة العقل، ولا مجال فيه للسمع مطلقًا، وهو كل علم لو لم يحصل للمكلف لما أمكنه معرفة الشرائع من جهة الرسول، أو بتعبير آخر: ما توقفت صحة الشرع على ثبوته، كالعلم بحدوث الأجسام، وأن لها محدثًا، قادرًا عالمًا، حيًّا قديمًا، غير مشابه للأجسام، غنيًّا لا تجوز عليه الحاجة، وحكيمًا لا يفعل القبيح، ومعرفة صحة النبوة وصدق الرسول في كل ما يخبر به عن ربه سبحانه وتعالى.

ثانيًا: ما لا يُعلم إلا بالسمع، ولا مجال للعقل فيه، وهو نوعان: أوامر، وأخبار. فالأوامر: يقصد بها الأمور الشرعية من العبادات والأحكام والمصالح والمفاسد المحكوم عليها بالشرع، ككون الصلاة فرضًا، وشرب الخمر حرامًا، وما أشبه ذلك، وأما الأخبار: فهي كل ما ورد في القرآن، من الحديث عن الأمور الماضية أو المستقبلة، ولا طريق لمعرفتها بالعقل، وكالوعد والوعيد، ومقادير الثواب والعقاب في الآخرة، وما يتعلق بكيفية عذاب القبر، ومنكر ونكير، والصراط، والحوض، وسائر السمعيات.

ثالثًا: ما يصح أن يُعلم بكلٍّ من العقل والشرع، وهو كل ما كان في العقل دليل عليه، ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، كالعلم بأن الله واحد، لا ثاني له، ورؤية الله تعالى في الآخرة، وقبح الظلم، وحسن رد الوديعة، وما جرى هذا المجرى.

ولا نطيل بذكر نصوص أئمة المعتزلة، والتي يصرحون فيها بتبنيهم لهذا التقسيم، فهي كثيرة ومتنوعة، والمهم أنه مع استقراره في الأوساط الاعتزالية تحددت المجالات التي لا يجوز للدليل السمعي أن يثبتها، أو يُحتج به في تقريرها، كما ترسخت تبعية النقل للعقل، واحتياجه إليه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت