فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 584

والمحال في هذه الأنواع هو الدور العلمي القبلي، وأما المعي والمساوي فجائزٌ وقوعه (1296) ، ويسمى الدور مصرحًا إذا كان التوقف بمرتبة واحدة، ويسمى مضمرًا إذا كان التوقف بمراتب، والدور الذي معنا في هذا المبحث من قبيل الدور العلمي القبلي، وفيه يتوقف إدراكنا لكلا المعلومين على العلم بالآخر.

وقد اتفقت كلمة المناطقة والمتكلمين وغيرهم من سائر العقلاء على الحكم بفساد الدور وامتناعه، وعد ابن تيمية العلم ببطلانه ضروريًّا (1297) ، وخصَّ المتكلمون مصطلح «الدور» وقرينه «التسلسل» بمباحث ضافية وموسعة، عُنُوا فيها بالتدليل على إبطالهما وبيان استحالتهما، ومن أهم ما دفعهم إلى العناية بذلك توقف صحة كثير من استدلالاتهم، ولا سيما دليلهم المشهور في البرهنة على وجود الله عز وجل وهو دليل الحدوث، على إبطال الدور والتسلسل، فكل محدَث لا بد له من محدِث، ولا يصح أن تتسلسل الأمور إلى ما لا نهاية، أو يقال: إن ثمة محدثين، أحدث كلٌّ منهما صاحبه، لما يفضي إليه ذلك من الوقوع في الدور الممتنع.

ويعود فساد الدور إلى أن الشيء إذا احتاج إلى غيره كان المحتاج إليه متقدمًا في الوجود على المحتاج، فلو افتقر كل واحد منهما إلى الآخر لكان كل واحد منهما مقدمًا في الوجود على الآخر، ويلزم أن يكون الشيء متقدمًا على نفسه؛ لأن العلة متقدمة على المعلول، وإذا كان الشيء علة لعلته لزم تقدمه على نفسه بمرتبتين، وهو محال (1298) .

تندرج فكرة الدور في المفهوم الكلامي ضمن تطبيقات المعنى الاصطلاحي الواسع الذي أشرنا إليه آنفًا، وتمثل أساسًا منهجيًّا برز بوضوح في نظرتهم إلى الدليل النقلي وطريقة تعاملهم معه، ويمكننا أن نُجمل عناصرها في النقاط التالية:

(أ) العقل أصل النقل، فعن طريقه علمنا ثبوت النقل، وتيقنا من صحته، ولا يمكن البرهنة على إثبات النقل أو الجزم بصدقه إلا بواسطة الأدلة العقلية.

(ب) وتتوقف صحة النقل على تقرير جملة أمور، لا بد من التحقق منها أولًا، وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت