فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 584

تفوض (1944) ، وقد تقدم في المبحث السابق عرض هذا القانون ومناقشته، ويعد كتاب «أساس التقديس» نموذجًا تطبيقيًّا لذلك القانون؛ حيث أفرد الكتاب بأكمله لتأويل النصوص التي عدها متشابهة، وكان جُل تركيزه على نصوص الصفات الخبرية والفعلية.

وللرازي في هذا الكتاب تأويلات في غاية التكلف؛ منها ذكره في تأويل قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] من أن الرب هو المربي، فلعل ملكًا عظيمًا هو أعظم الملائكة كان مربيًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان هو المراد من قوله: {وجاء ربك} !! (1945) ولا يخفى ما في هذا المعنى من بعد، فمَن هذا الملك؟ وكيف كان يربي النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يُعبر عنه بهذا اللفظ الموهم؟ إلى غير ذلك من الإشكالات.

وعلى نفس المنوال، ذكر الرازي في تأويل قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر} [البقرة: 210] أن الآية حكاية عن معتقد اليهود، وهم مشبهة؛ ولذا ينتظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة! (1946) ولا يزال المعنى الذي ذكره غير مقنع بوجه من الوجوه، فكيف يقرهم الله على اعتقادهم الباطل دون أن يبين فساده؟ ولماذا لم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يعتقدوا الآية على حقيقتها؟ ثم إن القرآن خطاب للبشرية جميعًا، وليس إلى طائفة بعينها، وكما هو معلوم فإن الرازي قد رجع عن التأويل في آخر حياته، معرضًا عن الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، ومؤثرًا طريقة الكتاب والسنة ومنهجهما السهل اليسير.

واستقر الفكر الأشعري في مراحله المتأخرة على منهج شبه متفق عليه تجاه الصفات، ويتلخص في إثبات صفات المعاني السبع؛ وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. وكذلك الصفات السلبية التي تنفي عن الله النقائص، أما الصفات الخبرية أو الفعلية الاختيارية فيجوز أن تؤول أو تفوض بعد صرفها عن معناها الظاهر، وبذلك ابتعد المذهب كثيرًا عن آراء أئمته المتقدمين، وزادت درجة قربه من المعتزلة، وتشابهت في مواضع غير قليلة نوعية التأويلات المقدمة من كلا الجانبين (1947) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت