وزاد الغزالي الأمر تفصيلًا، فقال: «مَن حاول إثبات كون الإجماع حجة افتقر إلى تفهم لفظ الإجماع أولًا، وبيان تصوره ثانيًا، وبيان إمكان الاطلاع عليه ثالثًا، وبيان الدليل على كونه حجة رابعًا» (933) .
وسنسلك طريقًا وسطًا بين الرجلين، فنعرض بإيجاز للكلام عن مفهوم الإجماع وإمكانية وقوعه، والاطلاع عليه ونقله، ثم نتوقف بنوع من التفصيل عند موقف المدرستين من حجيته.
تعددت التعريفات الاصطلاحية التي قدمت لهذا الدليل وتباينت القيود المذكورة في كل تعريف منها، تبعًا لاختلاف نظرة صاحبها وتصوره للإجماع، وشروط تحققه، ولعل من أدق تلك التعريفات وأكثرها انضباطًا أن الإجماع: «هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي» (934) . وتبدو ميزة هذا التعريف في سلامته من الانتقاد والتعقب الذي وُجه لغيره، ثم لاشتماله على أهم أركان الإجماع وشروطه.
وقد عُني أئمة المعتزلة والأشاعرة المشتغلون بأصول الفقه عناية واضحة بتعريف الإجماع، ومحاولة إيجاد مفهوم جامع مانع سالم من المآخذ، ومستوعب لحقيقته وأركانه اللازمة لوقوعه، وفيما يخص الأشاعرة، فإن تعريفاتهم تنوعت فيما بينها واشتركت في اشتراط تحقق الاتفاق، ثم اختلفت في تحديد طبيعية المتفقين، هل هم جميع المسلمين أم المجتهدون منهم، أم أهل الحل والعقد على وجه الخصوص؟ كما اختلفت في تحديد طبيعة الحكم المتفق عليه، هل هو مطلق الحكم فيشمل العقلي واللغوي والعادي والشرعي، أم يقتصر على الشرعي فحسب؟
وعلى سبيل المثال، فقد عَرَّف الغزالي الإجماع بأنه «اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية» (935) ، لكن الآمدي تعقبه في تعميم المتفقين، وخصهم بأهل الحل والعقد فقط؛ ومن ثَمَّ عَرَّفه بأنه «اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع» (936) ، وقريب منه تعريف ابن فورك (937) والرازي (938) والبيضاوي (939) والإسنوي (940) والقرافي (941) وغيرهم (942) .