فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 584

وأما المعتزلة، فتظهر على تعريفاتهم سمة العمومية والاقتراب الواضح من المعنى اللغوي، وقلة القيود التي اشترطها غيرهم؛ فالقاضي عبد الجبار يذكر أن «صورة الإجماع حصول مشاركة البعض للبعض فيما ينسب إلى أنه إجماعهم، فما كان هذا حاله يوصف بأنه إجماع» (943) .

ثم يعود فيشترط أن يكون هذا الاتفاق على وجه التعمد والقصد، لا الاضطرار والسهو، ويشابهه تعريف أبي الحسين البصري بأنه «اتفاق من جماعة علي أمر من الأمور إما فعلًا أو تركًا» (944) .

وواضح من كلا التعريفين عدم الاهتمام بإبراز قيود دقيقة ومحددة، وإن كان القاسم المشترك بينهما هو التأكيد على العنصر الأساسي في مفهوم الإجماع، والمتمثل في حصول الاتفاق والمشاركة في الرأي.

لكن النظَّام انفرد بمفهوم آخر خالف فيه كل ما قُدم للإجماع من تعريفات اشترطت حصول الاتفاق من أكثر من واحد، مكتفيًا بأنه «كل قول قامت حجته، حتى قول الواحد» (945) ، وهو تعريف لا يتوافق مع المعنى اللغوي أو العُرفي، ولا يشترط سوى تحقق الحجية بغض النظر عن عدد القائلين وصفاتهم، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى إلغاء الإجماع الاصطلاحي المعروف.

وقد علل كلٌّ من الغزالي (946) والآمدي (947) والزركشي (948) تعريفَه هذا بأنه محاولة للتوفيق بين ما اشتهر عند العلماء من القول بحجية الإجماع، وتحريم مخالفته، وبين رأيه الخاص بإنكار حجيته، وعدم الاعتداد به، وسيرد معنا قريبًا -إن شاء الله- تحقيق مذهب النظَّام من حجية الإجماع، وهل أنكره فعلًا أم أن ذلك من تشنيعات الخصوم وافتراءاتهم؟

ونخلص مما سبق إلى أنه باستثناء تعريف النظَّام فقد اتفق المعتزلة والأشاعرة وسائر أهل العلم على أن الإجماع لا يُتصور إلَّا بحصول الاتفاق من أكثر من واحد، ثم اختلفت آراؤهم بعد ذلك في شروط الاتفاق والمتفقين والحكم المتفق عليه، وهذا كله فيما يتعلق بالإجماع العام الذي لا بد فيه من اتفاق الأمة، أو بتعبير أدق مجتهديها، وأهل الحل والعقد دون غيرهم، وإن كان هناك نوع آخر أخص مفهومًا يمكن أن يُسمى بالإجماع الخاص أو الجزئي، وهو اتفاق أهل فن أو تخصص ما على مسألة من المسائل في صميم تخصصهم (949) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت