فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 584

ثانيًا: إمكانية وقوع الإجماع والاطلاع عليه ونقله

ويكتسب البحث في هذه المسائل أهمية كبيرة؛ إذ بدون إثباتها أو التحقق منها يصير الكلام عن حجية الإجماع غير ذي جدوى، ولا طائل وراءه، والترتيب الطبيعي أن يُنظر أولًا في إمكانية وقوع الإجماع على حكم ما، وهل يجوز ذلك عقلًا وعادة أم أن العادات الجارية واستقراء أحوال البشر يحكم باستحالة اتفاقهم على أمر نظري مع اختلاف مشاربهم وطبائعهم، وتفرق بلادهم وأفكارهم؟

ثم على فرض جواز وقوعه، هل يمكن الاطلاع عليه والعلم به؟ وإذا أمكن ذلك كله، فهل يمكن نقله إلى سائر الأمة حتى يتسنى الإفادة مما يتضمنه من أحكام؟

وسوف نحاول الإيجاز -قدر الإمكان- في عرض تلك المسائل، مركزين على آراء المعتزلة والأشاعرة تجاهها.

(أ) فأما إمكانية وقوع الإجماع عقلًا:

فلم يُنقل عن أحد التشكيك فيها، ويكفي لإثبات الجواز العقلي عدم وجود المانع بصرف النظر عن الوقوع الفعلي، ولا مانع عقلًا من اتفاق جمع من الناس على رأي واحد، ثم إنه قد وقع بالفعل كما هو الحال في اتفاق سائر المسلمين على الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة؛ مثل وجوب الصلاة والزكاة، وتحريم الخمر والزنى وما أشبهها (951) ، ولم ينقل أئمة الأشاعرة أدنى خلاف في التجويز العقلي؛ بل اتفقوا على إمكانه، وما حكوه من نزاع فإنما ينصب على التجويز العادي وليس العقلي (952) ، وكذلك رد المعتزلة (953) على ما يمكن أن يثور من شُبَهٍ حول إمكانية الإجماع عقلًا، والمهم أنه لم ينازع في التجويز العقلي أحدٌ ممن يُعتبر بكلامه أو بآرائه (954) .

(ب) وأما إمكانية وقوعه عادة:

فلم يُتفق عليها بل اختلفت الآراء حولها، ويرى جماهير الأصوليين -ومن بينهم المعتزلة و الأشاعرة- جواز انعقاد الإجماع مطلقًا في كل العصور، دون أن تحيل العادة ذلك، ومن أبرز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت