ويمزج القاضي عبد الجبار بين تضعيفها، والحكم عليها بأنها أخبار آحاد لا يُعمل بها في المسائل العلمية، فيعلق على أحد الأحاديث الواردة في المسألة بأن هذا الخبر «لم تثبت صحته أولًا، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد عن النبي، ومسألتنا طريقها العلم، فلا يصح الاحتجاج به» (707) .
ثم يأتي دور التأويل المتعسف، ويحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) ) (708) على أن المراد: شفاعتي لأهل الكبائر إذا تابوا (709) ، وإذا كان التائب مغفورًا له، فما وجه احتياجه للشفاعة؟ إن قيل لرفع الدرجات، فأي فرق بين مرتكب الكبيرة، ومن لم يرتكبها، والجميع مفتقر لرفع الدرجات؟
وهكذا يظل كل تأويل قابلًا للنقاش والرد، ومقابلته بمثله، والدوران في حلقة مفرغة ناتجة عن عقبة كأداء في منهجية التعامل مع النصوص؛ حيث يُنظر إليها في مرحلة تالية لتقرير المذهب عقليًّا، فإما أن توافق وإما أن تُلوى أعناقها بأي صورة لتتواءم مع المذهب، فإن تعذر ذلك ضُعفت أسانيدها، وطُعن في صحتها، وإلا ففي وصفها بكونها خبر واحد، مخرج سهل، وحل للمشكلة بأقرب طريق!
تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم عدد يصعب حصره من المعجزات الحسية غير القرآن؛ كانشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى في يديه، وإطعام الجمع الكثير بقليل من الطعام، وغير ذلك مما تكفلت كتب دلائل النبوة ببيانه، ولا يسع من يطالع كتابًا منها إلا أن يقطع بحصول ذلك وصحة وقوعه؛ إذ روي من طرق متعددة تفيد بمجموعها العلم القطعي (710) .
وموقف المعتزلة من هذه المعجزات لم يكن واحدًا، فقد حدث تطور منهجي نشأ عنه اختلاف نظرة المتأخرين لها عن نظرة المتقدمين، الذين اشتهر عن عدد منهم إنكارها، ولم يعترفوا بغير القرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبرز من عُرف عنه ذلك النظَّام الذي أنكر انشقاق القمر، وطعن في رواية ابن مسعود حاكمًا عليها بالكذب الذي لا خفاء به «لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده، ولا لآخر معه؛ وإنما يشقه ليكون آية للعالمين، وحجة للمرسلين،