ويبدو أن سبب هذين الوجهين من الخلاف يرجع إلى نظرته لوظيفة السُّنَّة كمصدر للاستدلال على المسائل العقدية، ومن ثم فلا مجال فيها لاستخدام ظني الثبوت كأخبار الآحاد، كما لا مجال لاستخدام التقرير، وتبقى الأقوال والأفعال الثابتة بطريق قطعي، وحتى هذا القدر ناله شيء من التضييق، فاقتصرت عناية المتكلمين على الأقوال دون غيرها، وعليها كان مدار الخلاف قبولًا ورفضًا، وقل أو ندر الاستشهاد بالأفعال الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك نستطيع أن نقرر شيوع المفهوم الأصولي للسُّنَّة عند المتكلمين مع اختلاف طفيف نظريًّا، وأما في مجال الاستدلال الفعلي فالنوع السائد هو الأقوال دون ما سواها.
وقد تقدمت الإشارة إلى أهمية التفرقة بين حجية السُّنَّة في ذاتها، من حيث هي كلامٌ صادر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع، وبين طريقة نقلها وروايتها، والمتمثلة في الأخبار والمرويات من جيل لآخر نقلًا متواترًا أو آحاديًّا، مع الإقرار بعمق التلازم ووثاقة الصلة بين الأمرين، لكن عدم إدراك الفرق المذكور أدى إلى حصول شيء من اللبس والخلط عند بعض من تكلموا حول هذه المسألة، فحجية السُّنَّة في ذاتها أمر متفق عليه بين سائر المسلمين، لم تُنازع فيه فرقة من فرقهم، وأما الأخبار من حيث هي طريقة لنقل السُّنَّة فذلك الذي وقع فيه نزاع طويل، بل وصل الأمر إلى إنكار حجيتها بالكلية عند طوائف من الفرق المغالية.
وقد حكى الإمام الشافعي اتفاق أهل العلم في عصره على وجوب العمل بالسُّنَّة واتباعها، سوى فرقة شاذة لا يُلتفت إلى قولها، نافيًّا أن يكون سمع «أحدًا -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم- يخالف في أن فرض الله عزَّ وجلَّ اتباعُ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه ... وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- واحد لا يختلف» (510) .
ونقل ابن حزم إجماع المسلمين على تكفير من يقتصر على العمل بالقرآن ويجحد حجية السُّنَّة، أو يعتقد عدم لزوم العمل بما فيها، ناسبًا هذا الإنكار إلى بعض غلاة الروافض (511) ، وعلى نفس المنوال نص السيوطي في كتابه الذي ألفه خصيصًا للدفاع عن السُّنَّة على «أن من أنكر