فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 584

لم يتفق المعتزلة -كما هي عادتهم، فيما سوى الأصول الخمسة- على موقف واحد من عدالة الصحابة؛ بل تباينت أقوالهم وتعددت، وحدث نوع من التفاوت والاختلاف بين أفراد المذهب، بما يؤكد النزعة الفردية السارية في أوصال الفكر الاعتزالي، وتعد هذه المسألة مثالًا واضحًا عليها؛ حيث تطورت الآراء من جيل لآخر بفعل مجموعة من العوامل المتنوعة.

ويعنينا هنا أن نرصد أهم الاتجاهات وأبرزها عبر مراحل المذهب المتلاحقة، ابتداءً من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وانتهاءً بالقاضي عبد الجبار ومدرسته المتأخرة، واضعين في الاعتبار أن جُل ما اختلفت حوله آراؤهم كان نتيجة للفتن والنزاعات التي حدثت في الصدر الأول من: مقتل عثمان، وحرب الجمل، والنزاع بين علي ومعاوية، وقتالهما يوم صفين، وما تلا ذلك من أحداث ووقائع، انقسم الناس بسببها إلى طوائف وشيع متناحرة، واتخذ كل فرد من المعتزلة موقفًا نحوها، إما بتأييد فريق، وإما معاداته، وإما إيثار التوقف والتردد عن البت بتصويب أحد أطراف الصراع.

وقد أشار أبو علي الجبائي إلى أن أول اختلاف حدث بين المسلمين كان اختلافهم في أمر عثمان آخر أيامه، وأما خلاف يوم السقيفة أو حروب الردة فليس بمثل هذه الخطورة؛ لأنه لم يستقر وزال عن قرب، ثم حدث ثانيًا خلاف أصحاب الجمل، ثم خلاف علي وأهل الشام (1164) . وهذه الاختلافات الثلاثة هي التي اهتم أئمة الاعتزال بإبداء آرائهم تجاهها، فتضاربت ولم تتفق على قول واحد، وتفصيل ذلك كما يلي:

1 -يغلب على إمام المذهب الأول واصل بن عطاء إيثار التوقف كمسلك عام في الحكم على سائر أطراف النزاع الذي وقع بين الصحابة، فقد تردد في القول بصحة موقف عثمان رضي الله عنه، أو موقف قاتليه، أو موقف خاذليه، وترك البراءة من واحد منهم بعينه، وإن كان من بينهم فاسق الله أعلم به، هل هو عثمان، أم من قتله، أم من خذله؟ (1165)

وكما هو معلوم، فإن الفاسق عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين دنيويًّا، ومخلد في النار أخرويًّا، وشهادته مردودة؛ لأنه غير عدل، ومن ثم فسواء أكان عثمان هو الفاسق عند واصل -وحاشاه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت