فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 584

والمهم أنه يقطع بصيغة عامة شاملة على أن جميع ما رووه أو ذكروه أخبار آحاد، ولا يجوز قبول ذلك فيما طريقه العلم؛ لأن كل واحد من المخبرين -في رأيه- يمكن أن يخطئ فيما يخبر به، ويصح كونه كاذبًا فيه، ومن ثَمَّ «لا يجوز أن ندين ونقطع على الشيء من وجه يجوز الغلط فيه؛ لأنَّا لا نأمن بالإقدام على اعتقاده من أن يكون جهلًا، ولا نأمن من أن تكون أخبارنا عنه كذبًا» (701) .

وأخيرًا يلجأ المعتزلة إلى تأويل الأحاديث على سبيل التنزل، فيصير معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( سترون ربكم يوم القيامة ) )أي: تعلمون ربكم يوم القيامة (702) ، وكأننا لا نعلمه هنا في الدنيا، وإذا قيل إن المراد علم زائد عما في الدنيا، أجيب عن ذلك: بأن الحديث يفقد معنى البشارة الذي تضمنه، واختصاصها بالموحدين وحدهم، فالجميع من كفار ومنافقين وغيرهم سيعلمون الله ضرورة في الآخرة، فأي مزية إذن للمؤمنين؟ لا يهم كثيرًا صحة التأويل أو تعسفه؛ وإنما المهم موافقة المذهب بأي طريقة كانت! فالحاكم هو رأي المذهب، والنصوص أمرها يسيرُ ما بين التضعيف، أو وصفها بالآحاد، أو تأويل معانيها.

وقد تواترت الأحاديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة لأصحاب الكبائر، وإخراج أقوام من النار بعد أن أُدخلوا فيها، ونص عدد من أهل العلم على تواترها (703) ، ولكن المعتزلة -أو على الأقل جمهورهم (704) - ينكرون هذا النوع من الشفاعة في أصحاب الكبائر، وإن سلموا بأنواع أخرى منها (705) ، ومن ثَمَّ كان من المؤكد أن يبحثوا عن مخرج من تلك الأحاديث، وطريقتهم المعتادة -كما سبق في المثال المتقدم- إما تضعيف الأحاديث وردها، وإما الحكم عليها بأنها أخبار آحاد، ويأتي بعد ذلك تأويلها وصرفها عن ظاهر المعنى الذي يفهمه كل واقف عليها.

ومن نماذج تضعيفهم لها صنيع القاسم الرسي، الذي يصف من يرويها بالكذب على الله ورسوله محذرًا من أن يغتر مغترٌّ، أو أن يتكل متكل على «قول من يقول من الكاذبين على الله ورسوله -صلوات الله عليه وعلى أهله- أن قومًا يخرجون من النار بعدما يدخلونها، يعذبون بقدر ذنوبهم، هيهات، أبى الله جل ثناؤه ذلك» (706) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت