فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 584

اتفقت كلمة أهل السُّنَّة والجماعة على تعديل الصحابة، وتزكيتهم والثناء عليهم، والاعتراف بفضائلهم، وذكر مناقبهم ومآثرهم لتعديل الله لهم في كتابه، وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في سُنَّته، والأدلة والشواهد على ذلك من نصوص الكتاب والسُّنَّة أكثر من أن تحصر (1155) ، وكلها تثني عليهم وتشيد بما كانوا عليه من إيمان ويقين وبذل؛ لإعلاء كلمة الله، ونشر الدين، ورفعة شأنه.

وقد حكى عدد كبير من أهل العلم الإجماع على الحكم بعدالتهم، سواء مَن لابس الفتن منهم، أو مَن لم يلابسها؛ إحسانًا للظن، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة، والواسطة بين الأمة ونصوص القرآن والسُّنَّة، وممن حكى هذا الإجماع ابن عبد البر (1156) ، وابن الصلاح (1157) ، والجويني (1158) ، والنووي (1159) .

وتحرز البعض من الجزم بوقوع الإجماع؛ لوجود نوع من الخلاف غير المعتد به، ونسبوا القول بعدالتهم إلى السلف وجماهير الخلف، سوى شذوذ من المبتدعة، كما قال ابن تيميَّة (1160) وابن حجر العسقلاني (1161) ، وسواء أكانت المسألة محل إجماع أم على الأقل مذهب أكثرية الأمة وجمهورها، فهذا القول هو الصحيح، ومَن ذهب إلى سواه فقد فتح الباب للطعن في الشريعة بأكملها؛ إذ لا سبيل أمامنا للعلم بها إلا عن طريق هؤلاء الأصحاب الذين رووا لنا نصوص الوحيين القولية وأحكام الشريعة العملية، وضبطوا ذلك كله، وشرحوا معانيه، وأوصلوه إلى الأجيال من بعدهم.

ولا بد من التأكيد على أن القول بعدالة الصحابة لا يستلزم من قريب ولا من بعيد إثبات العصمة لأحد منهم، أو إخراجهم من المرتبة البشرية إلى درجة الملائكة، وللزركشي نص مهم أبان فيه عن المراد بالعدالة، وأنها لا تعني ثبوت العصمة، أو استحالة المعصية، وإنما يُقصد بها «قبول روايتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك والحمد لله، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح» (1162) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت