فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 584

لوجب القطع بأنه كان أفضل منهما وأكثر علمًا، ومعلوم أن ذلك باطل (1232) ، ونظرًا لانتقاء تلك الملازمة، فلا بد من الطعن على أبي هريرة، واتهامه برواية ما لم يسمع، إما خطأ وإما عمدًا.

وسامح الله الرازي وعفا عنه، ففي سبيل التشكيك في أخبار الآحاد، وإيراد الحجج على ظنيتها فتح الباب بكلامه هذا ليلج فيه بعض الشانئين على السُّنَّة، والمتربصين بها الدوائر؛ ليطعنوا في أعظم حفاظها، وأكثرهم رواية، ثم يتخلصوا في خطوة تالية من السُّنَّة ككل، بما لو رآه الرازي نفسه أو اطلع عليه؛ لشدد النكير على منتحلي هذا الرأي، وبذل الوُسْعَ في رده وإبطاله.

(جـ) وأما في كتابه «المحصول» فقد صرح بتعديلهم، ولم ينتقد أحدًا منهم، ولكنه أورد مطاعن المعتزلة -ولا سيما النظام- بتفصيل شديد، يستغرق قريبًا من ستين صفحة (1233) ، ثم لما جاء دور الرد أجاب بجمل مختصرة في أسطر معدودة «وكان المؤمل منه -وقد أسهب كل الإسهاب في سرد الشبهات- أن يسهب في الرد عليها ومناقشتها كما هي عادته، ولكنه تجاوز ذلك بهذا الشكل، وكأنه قد تعب من كثرة ما أورد من الشبهات، فلم يعد لديه جُهْدٌ يبذله في الجواب، أو لعله رأى فيها من الضعف والتهافت والسقوط ما جعلها في نظره لا تستحق الوقوف والمناقشة» (1234) .

وقد تقدمت الإشارة إلى أن تلك الطريقة كانت سمة منهجية بارزة عند الرازي، جلبت عليه العديد من الانتقادات، ولعل ما أوردناه من النماذج السابقة كان الدافع وراءه الطريقة الجدلية في الاستدلال، والتي يحاول فيها صاحب المذهب نصرة آرائه بكل سبيل، حتى لو جنح به الاستدلال إلى ما لا تُحمد عقباه، وما لا يرتضيه هو نفسه، ويصرح برده وتبني ما سواه من آراء، وهكذا الحال مع الرازي، الذي صرح في عدة مواضع بتعديل الصحابة، ثم ندت منه الأقوال المذكورة في سياق استدلال على بعض الأصول المذهبية، وعلى أية حال فالمذهب الأشعري بصفة عامة مُقر بعدالة الصحابة دون خلاف يستحق الوقوف عنده.

من خلال العرض المتقدم لكلا الموقفين يظهر مدى التفاوت الواضح بينهما، فعلى حين تمثل عدالة الصحابة شبه إجماع داخل المذهب الأشعري، إذا نحينا آراء الرازي، والتي على ما فيها لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت