[النساء: 164] أي: جرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن (1848) ، فالتكليم من الكلم وهو الجرح، وليس من الكلام، ولا يخفى ما في هذه المحاولة من تعسف وتكلف، دفعت إليه العصبية للمذهب ومحاولة الانتصار لرأيه بأي طريقة كانت.
تبين لنا أن المعنى الاصطلاحي الذي استقر عليه مفهوم التأويل معنى حادث، لم يكن موجودًا من قبل، ولن نقف طويلًا عند محاولة تلمس ظروف النشأة أو العوامل التي أدت إلى شيوعه وانتشاره، وإن كان الظاهر ما مال إليه بعض أساتذتنا من وجود دور كبير قام به أصحاب الاتجاهات الباطنية من غُلاة الصوفية والشيعة، وشاركهم كثير من أتباع الفرق التي نادت بفكرة الإمام المعصوم، والتفريق بين الظاهر والباطن، والتنزيل والتأويل، والشريعة والحقيقة، فكل أولئك قد أسهموا بنصيب وافر في ذيوع التأويل، ومهدوا له الطريق لينتشر في الفكر الإسلامي ويحظى بالمشروعية والقبول (1849) ، ثم تأثرت بهم بقية المدارس الكلامية الأخرى ما بين مُقل ومستكثر، ومصيب ومخطئ، وملتزم بضوابط التأويل الصحيح، أو مقدِّم للمذهب على جميع ما سواه.
ويعنينا في هذا الموضع أن نبحث عن أبرز الأسباب التي دفعت المعتزلة والأشاعرة إلى استخدام التأويل في تعاملهم مع الدليل النقلي، وقد سبق أن ألمحنا إلى أن التأويل لا يُلجأ إليه إلَّا عند الإحساس بوجود مشكلةٍ ما في الدلالة المستفادة من ظاهر النص، ويمكن إجمال صور تلك المشكلة، والتي تعدُّ في الوقت نفسه عوامل القول بالتأويل، فيما يلي (1850) :
أولًا: اعتقاد أن ظاهر بعض النصوص يُوهم بما لا يليق بالله سبحانه وتعالى
فقد اتفق المؤمنون بالله قديمًا وحديثًا على أن مقام الألوهية سامٍ على كل مقام، وأنه يحمل الكمال المطلق في الذات والصفات والأفعال، وتقر الفطرة السليمة التي لم يُعكر صفوها التعقيدات الفكرية أو ركام التصورات الفلسفات البشرية -أن الإله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن يكون مباينًا للعباد، وغير مشابهٍ لهم في كل ما يختص به، لكن نفرًا كبيرًا من أتباع الديانات السماوية لم يحتفظوا بعقيدة التنزيه والتقديس صافية نقية، فشابتها الشوائب، واعتورتها أيدي التحريف والتبديل (1851) .