فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 584

المتوقع أن يترك ذلك آثارًا، وظلالًا غير محمودةٍ عند شباب المذهب، وينصرفوا معها عن الحديث ودراسته، وقد اعترف القاضي أن المعتزلة لا توجب طلب الحديث، موجبًا على من طلبه «أن يميز بين الذي يجوز أن يصح، ويصح تأويله إذا لم يصح ظاهرًا، وبين ما ليس هذا حاله، وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه كراهية قراءة القرآن من غير تدبر وتأمل، فالحديث بذلك أولى» (563) .

ثالثًا: تجويز المعتزلة نسخ القرآن وتخصيصه بالسُّنَّة

ويعد رأيهم في هذه المسألة أحد الشواهد على اعتدادهم بالسُّنَّة واحتجاجهم بها، حتى صار من الممكن أن تتعامل مع النص القرآني المقطوع بثبوته؛ إما بالنسخ، وإما بالتخصيص، وإن كانوا يشترطون في النص الناسخ منها أن يكون قطعيًّا.

وقد رد القاضي عبد الجبار على الإمام الشافعي في منعه نسخ القرآن بالسُّنَّة، ونفى أن يكون ثمة مانع من ذلك (564) وأما تخصيص القرآن بالسُّنَّة فلا يقتصر على المتواتر عندهم؛ بل يشمل الآحاد مع أنها ظنية الثبوت، وفي تخصيصها للقرآن الموصوف بالقطعية نوع من الإشكال؛ ولذا نَبَّه القاضي على قاعدةٍ مفادها أنه «قد يخص العموم بما لا تثبت به الأحكام ابتداء» (565) ثم نسب من منع تخصيص الكتاب بالسُّنَّة إلى التجاهل، وتبدو أهمية مذهب المعتزلة تجاه المسألتين السابقتين في كونه يبين أن السُّنَّة عندهم ليست مجرد دليل معتبر فحسب؛ بل تتساوى مع القرآن، وتتعامل معه نسخًا وتخصيصًا.

رابعًا: دفاع بعض المعتزلة عن عدد من أحاديث السُّنَّة تجاه من طعن في ثبوتها

ومن أشهر نماذج هذا المسلك صنيع القاضي عبد الجبار، حينما أورد مجموعة من الأحاديث التي طعن في صحتها أعداء الإسلام، ورموها بالتناقض، وأجاب عنها حديثًا حديثًا، بجواب تفصيلي (566) ، ومن بينها حديث الذبابة المشهور؛ والذي دار حوله نزاع طويل الذيل قديمًا وحديثًا، وكان من المتوقع أن يرده المعتزلة بزعم مجافاته للعقول، إلَّا أن القاضي قَبِلَه، و استفاض في الدفاع عنه أمام شبهات الخصوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت