فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 584

وقطع الطمع عن إدراك كنه الصفة أو كيفيتها، فهو إثبات دون تشبيه أو تجسيم، ووصف لله دون تحريف أو تعطيل أو توقف.

6 -اتجاه التفويض: وهو موضوع دراستنا في هذا المبحث، وتقدمت الإشارة إلى معناه الاصطلاحي، ويمكن وصفه بأنه محاولة أرادت التوسط بين اتجاهي الإثبات والتأويل، فهو يشترك مع الإثبات في رفضه للتأويل، وتعيين معنى باجتهاد بشري تُحمل عليه النصوص؛ لكنه يتفق مع التأويل من جهة أخرى في القول بأن الظاهر من النصوص غير مراد؛ لإيهامه مشابهة المخلوقين، ثم يسكت المفوض فلا يحدد معنى، بينما المؤول يبحث عن هذا المعنى ويجتهد في تعيينه.

كما يُلاحظ أن التفويض يختلف عن التوقف، فالمتوقف لا يجزم بشيء مطلقًا ولا يستفيد أي معنى من النصوص، مكتفيًا بتلاوتها ومجوِّزًا كافة الاحتمالات، أو ساكتًا عنها كلها، فموقفه سلبي في كل مراحله، أما المفوض فيتخذ رأيًا بالنسبة لظاهر النصوص، وينفي إرادتها -فهو هنا إيجابي الموقف- ثم يشابه اتجاه التوقف في المرحلة التالية، فيسكت عن تحديد أي معنى من المعاني.

ولعله ظهر مما تقدم: الفرق بين رأي السلف ورأي القائلين بالتفويض، وأن ما شاع في كثير من الكتابات أن مذهب السلف هو التفويض هكذا على سبيل الإطلاق مسألة تحتاج إلى إعادة نظر، ومزيد من التدقيق في سبر أقوالهم الكثيرة حول هذا الموضوع (1963) .

نعم، السلف يفوضون الكيفية؛ لكنهم يثبتون المعنى اللائق بالله، أما المفوضة فإنهم يكيفون الأمرين، ولا يقال إن ثمة تلازمًا بين المعنى والكيفية، فحيثما فوضنا أحدهما وجب تفويض الآخر؛ لأن الفرق واضح بين الأمرين، والمكلف -مثلًا- يثبت لله ذاتًا موجودة، ويفهم من ذلك معنى معينًا؛ لكنه لا يستطيع أن يعلم بحال كيفية هذا الوجود وكُنْهه، كذلك يثبت لله صفة العلم ويفهم منها معنى الإحاطة والاطلاع على كل ما كان وما سيكون؛ لكنه لا يدرك كُنْه العلم ولا كيفيته ولا طريقة حصوله، وهكذا الحال في بقية الصفات، يفهم المعنى اللائق بالله، ثم يفوض الكيفية، أما عدم فهم كلا الأمرين فيئول بنا إلى اتجاه التوقف الذي عرضنا له منذ قليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت