لم يظهر التفويض عند المعتزلة، ولم يقل به أحد من أئمة المذهب، وكان طبيعيًّا أن يكون موقفهم كذلك، فقد استقر الفكر الاعتزالي على مسلكين في التعامل مع النصوص التي يرونها مخالفة لأدلة العقول:
الأول: تضعيف النص ورده والطعن في صحته إن كان من أخبار الآحاد؛ أي: ظني الثبوت.
الآخر: تأويله وصرفه عن ظاهره -أو بتعبيرهم رده إلى المحكم- إن كان قطعيًا في ثبوته.
ويبدو أن المعتزلة رأوا في هذين المسلكين حلًّا لمشكلة التعارض، فلم يلجئوا إلى التفويض، ولا نكاد نعثر على أثر له في كتبهم الكلامية سوى نوع من تفويض الكيفية وليس المعنى، قالوا به عندما تعرضوا لأحوال القيامة وأمور الآخرة وما يتصل بذلك من السمعيات؛ كالميزان، والحساب، والصراط، وعذاب القبر، وما أشبهها من مسائل (1964) .
ويمكن أن نستخلص مجموعة من العوامل التي أدت إلى غياب ظاهرة التفويض عند المعتزلة ودفعتهم إلى عدم استخدامه؛ ومن أبرزها ما يلي:
أولًا: التباين الواضح بين التفويض كموقف يؤثر السلامة ويلتزم اتباع النصوص حرفيًّا دون البحث عن معانيها، ويبتعد عن إعمال النظر العقلي بحثًا عن كنهها، وبين السمات العامة للفكر الاعتزالي، حيث الإعلاء من دور العقل ومكانته، والثقة البالغة في قدراته، وإمكانية التعويل عليه في كافة المجالات والقضايا دونما حجر أو قيد، وتحتم النظر العقلي واعتباره أول الواجبات وأهمها، فعن طريقه عُرف الله سبحانه وتعالى، وعُرف صدق الأنبياء وصحة رسالتهم، وسائر أصول الاعتقاد.
وقد نتج عن هذه الثقة الكبيرة بالعقل نوع من الإقدام، وعدم التهيب في تناول أي مسألة، وإبداء الرأي حولها دون خوف أو وجل، أيًّا كانت طبيعة الموضوع المراد بحثه، وقد رأينا نفرًا من المعتزلة ينتقدون الصحابة، ويُضعفون كثيرًا من الأحاديث الثابتة في «الصحيحين» لاعتقادهم أنها تخالف ضرورات العقول وقواطع الشرع، ويخالف التلميذ منهم شيخه، والابن والده، ويؤلف في الرد عليه، ومع وجود سمات العقلانية والاستقلالية والفردية في إبداء الآراء