المبحث الأول
موقف المعتزلة والأشاعرة من حجية
القرآن الكريم، وجهودهم في الدفاع عنها
اتفقت كلمة المسلمين جميعًا على أن القرآن كلام الله، وحجة من أعظم حججه على عباده، وأبلغها دلالة، وتقرر بينهم «أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه» (147) ، وهذا كله لا يحتاج إلى مزيد تقرير واستدلال؛ لأنه معلوم من الدين بالضرورة، وركيزة أساسية من ركائز العقيدة الإسلامية عند كل مقرٍّ بهذا الدين، ومُسلِّمٍ به.
كما أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن القرآن نُقِلَ إلينا بتمامه وكماله كلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، سالمًا من النقصان أو التحريف، ومحفوظًا من عبث العابثين؛ إذ تكفل الله بحفظه، فقال سبحانه وتعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ولم يوكل تلك المهمة لأحد من البشر -أيًّا كان شأنه- كما حدث مع الأمم من قبلنا، فضيَّعوا الأمانة، وفرطوا في حملها، فلحقت كتبهم أنواع لا تحصى من التحريف والتبديل، وصان الله كتابه؛ لقطع أعذار المكلفين، ولإقامة الحجة الرسالية التي لا برهان لمن خالفها، وليكون وحي الله الخاتم، ورسالته الأخيرة إلى البشرية حتى يرث الله الأرض ومَن عليها.
وقد حكى أبو محمد بن حزم (ت 456 هـ) -وهو من المتثبتين في نقل الإجماع، ونسبته لأصحابه (148) - الاتفاق على الأمرين السابقين من جميع الفرق المنتمية إلى الإسلام؛ كأهل السُّنَّة والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والزيدية، فكلهم يوجب «الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلوُّ عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غُلاة الروافض، هم كفار بذلك، مشركون عند جميع أهل الإسلام» (149) .
ومن الواضح أن هذا الإجماع ينسحب على المعتزلة والأشاعرة -موضوع بحثنا في هذه الدراسة- كما ينسحب على غيرهم من المسلمين، ولعله كان كافيًا عن إطالة ذيول الكلام في تقرير موقفهم من حجية النص القرآني وسلامة نقله، بيد أن بعض الأقوال المتناثرة في عدد من الكتب