فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 584

يتناول هذا الفصل الإجماع، ومدى حجيته، والاعتداد به كدليل نقلي ثالث صالح للاستدلال به على المسائل العقدية وإثباتها، وقد جاء النظر فيه على مرحلتين، أُفرد لكلٍّ منهما مبحث مستقل؛ حيث يتعرض المبحث الأول لحجية الإجماع بصفة عامة، وبيان الموقفين الاعتزالي والأشعري منها، مع ما يستلزمه ذلك من تحديد مفهومه، وإمكانية وقوعه، والاطلاع عليه ونقله.

ثم يستعرض المبحث الثاني حجية الإجماع في إثبات المسائل العقدية -على وجه الخصوص- نظريًّا وتطبيقيًّا.

ويحسن بنا في هذا التمهيد -وقبل الخوض تفصيلًا في غمار البحث حول حجية الإجماع وتفصيلاته المتعددة- أن ننبه على أمور ثلاثة مهمة؛ وهي ما يلي:

أولًا: لم يقع نزاع حقيقي داخل الدائرة الإسلامية حول حجية القرآن والسُّنَّة، وما دار حولهما من خلاف كان مع غير المنطوين تحت لواء الإسلام، والمنقادين لعقائده وأحكامه، وأما هذا الدليل فقد وقع -بل اشتد- النزاع حوله، سواء من ناحية حجيته أو ما سواها من التفصيلات، كما لم يتوافر حصر دقيق متفق عليه، يستوعب كل المسائل المجمع عليها، وكم من إجماعات مدعاة وغير صحيحة وأخرى ثابتة، ولم تسلم من التشكيك والطعن.

وللإمام أحمد عبارة مشهورة يقول فيها: «مَن ادعى الإجماع فهو كاذب» (926) ، ولعل ما حمله على التصريح بها ما رآه ووقف على طرف منه في عصره من التراشق بادعاء الإجماع، وشهره في وجه المخالف، ومحاولة كل فرقة أو مذهب -بكل ما أوتيت من قوة- أن تضفي على أقوالها هالة من الإجماع غير الصحيح، ولتبدو كما لو كانت هي المحقة وحدها، وما سواها فعلى خطأ وضلال!

ثانيًا: ربما ثار تساؤل حول طبيعة الإجماع، وهل هو دليل نقلي خالص أم يعد مزيجًا من النقل والعقل معًا؟ لا سيما وأنه كما يبدو من تعريفه عملية اجتهادية قائمة على النظر واستنباط الأحكام من النصوص، يقوم بها علماء الأمة المجتهدون، ويتفقون خلالها على رأي معين؛ ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت