المبحث الثاني
التفويض
يمثل التفويض محاولة أخرى ذات سمات مختلفة عن التأويل، وإن كان كلٌّ منهما يعد بمثابة وسيلة يُلجأ إليها للعمل على إزالة التعارض المفترض من وجهة النظر الكلامية، بين ظاهر نصوص النقل والعقل، وبينما انطوت المحاولة السابقة - أي التأويل - على نوع من الجرأة والإقدام والجزم بصرف النصوص عن مدلولاتها الظاهرة، وحملها على معنى معين، فإن هذه المحاولة اكتسبت قدرًا كبيرًا من الحيطة والحذر، واتسمت بالتردد وإيثار السلامة، والتوقف عن تحديد معنى ما، وتفويض العلم بذلك إلى الله وحده.
ولا يعني الاختلاف في الخصائص بين طريقتي التأويل والتفويض أنهما متباينتان تمامًا؛ بل ثمة قدر مشترك تجتمعان عليه، وهو القول بأن من الأدلة النقلية ما يمتنع اعتقاد ظاهره، ولا يصح الإيمان به على حقيقته؛ بل لا بد من اعتقاد أن الظاهر غير مراد، وأن هناك معنى آخر أراده الله عز وجل من هذه النصوص، ثم تختلف الطرق فيما بعد، فالمؤول يحدد معنى معينًا باجتهاده، ويحمل النص عليه، والمفوض يتوقف ويكل الأمر إلى الله وحده، ولكن الجميع متفقون على أن الظاهر غير مقصود.
كما تشترك الطريقتان في ميدان عملهما، وهو النصوص التي يعدها المتكلمون متشابهة، ويرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين المراد منها، وقد اختلفوا هل كان يعلم معناها أم لا؟ فقال بعضهم: كان يعلم معناها لكنه لم يخبر أمته، وقال آخرون: بل لم يكن يعلم معناها لا هو ولا جبريل ولا سائر الصحابة، وبالتالي يتعذر العلم بذلك للبشر، ويختص به الله سبحانه وتعالى وحده (1948) .
ويهمنا في هذا المبحث، أن نحدد بدقة مفهوم التفويض عند المتبنين له، ومدى اعتداد المدرستين الاعتزالية والأشعرية به كواحد من المسالك التي يُتعامل من خلالها مع الدليل النقلي، ولماذا ظهر عند إحدى المدرستين، واختفى عند الأخرى.