المبحث الثاني
التُّهم المثارة حول موقف المدرستين من حجية القرآن، ومناقشتها
تكفَّل المبحث السابق بعرض الموقف الاعتزالي والأشعري من حجية النص القرآني، سواء من ناحية الإثبات والتقرير لها، أو من ناحية الدفاع والمنافحة عنها أمام مطاعن الخصوم وشبهاتهم، ويأتي هذا المبحث بمثابة تتمة لازمة، وضرورية؛ حيث يتناول طرفًا من الاتهامات الخطيرة التي طالت المذهبين -لا سيما المعتزلة- مع وقفة لا بد منها لمناقشتها، ومعرفة مدى نصيبها من الصحة أو الضعف.
ومن الضروري أن ننبه -قبل الخوض تفصيلًا في سرد تلك التهم- إلى خطورة ما تنطوي عليه، وكذلك ما يمكن أن يترتب على كل تهمة منها حال ثبوتها، إذ يؤدي أغلبها بصاحبه -لو صحَّ عنه- إلى الوقوع في هاوية الكفر ودركاته، والخروج من دائرة الإسلام، أو على أحسن الأحوال إلى التلبس بالضلال والابتداع؛ لتعلقها بأصل الدين، ومصدره الأول وهو القرآن الكريم.
وتدعونا الخطورة المشار إليها إلى المزيد من الاحتياط والحذر، وعدم إرسال الأقوال على عواهنها، كما يدعونا إلى ذلك مبدأ إسلامي راسخ؛ وهو وجوب التثبت في نقل الأخبار والمرويات، وحكايتها، ونسبة الآراء والمذاهب إلى أصحابها وقائليها، وقد تضافر على تقريره عشرات النصوص من القرآن والسُّنَّة، مما عمل على استقراره في الصدر الأول، وشحذ الهمم، واستحث العزائم لإقامة أعظم مناهج علمية عرفها التاريخ الإنساني في نقد المرويات، وسبر أغوارها، والتأكد من مدى صحة عزوها إلى من نسبت إليه، فيما عرف بعلم مصطلح الحديث، بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء (393) .
وانطلاقًا من هذه الروح العلمية الإسلامية سنحاول أولًا أن نقرر مجموعة من الأسس والقواعد التي تفيدنا كثيرًا في منهجية التعامل والفهم، ثم التوجيه لكل ما نسب إلى رجال المعتزلة والأشاعرة من اتهامات، ومن خلالها نستطيع الحكم عليها قبولًا أو ردًّا.
أولًا: لا يصح أن ننسب قولًا أو مذهبًا إلى شخص ما، إلَّا إذا تيقنا أنه قال به، والضابط في تلك النسبة أن يكون ذكر هذا القول في أحد كتبه، مرتضيًا إياه، أو حكاه عنه أحد أصحابه