والرد عليهم، ويبقى العقل كمصدر معتمد لإثبات الأصول العقدية على سبيل الاستقلال والتأسيس، وكل ما عداه لا يتعدى دوره التقوية والتأكيد لما انتهى إليه العقل نفيًا أو إثباتًا.
لم يتفق أئمة الأشاعرة على مسلك موحد تُجاه إمكانية الاستدلال بالإجماع على المسائل العقدية؛ بل حدث نوع من التطور والتغير المنهجي في موقفهم من هذه القضية، ويمكن أن نلحظ بوضوح اتجاهات ثلاثة بارزة داخل المذهب، ينحو كل واحد منها منحًى مغايرًا للاتجاهات الأخرى، وذلك على النحو التالي:
الاتجاه الأول
ويتمثل في موقف أبي الحسن الأشعري، الذي جوَّز الاستدلال بالإجماع والاحتجاج به في كافة أنواع المسائل العقدية -أصولًا وفروعًا- سواء ترتب على القول بها ثبوت الإجماع أو لم يترتب، ولا وجود عنده لفكرة التفريق بين أصول كبار لا يصح الاستدلال بالإجماع فيها حذرًا من الوقوع في الدور الممتنع، وأصول أخرى فرعية يمكن أن يُعتمد على الإجماع في إثباتها، إنما هو في ذلك كله متبع لمنهج واحد نَصَّ عليه في مقدمة «الإبانة» ؛ حيث قال: «ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل، وسُنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله ما لا نعلم» (1111) .
وأما من الناحية التطبيقية، فقد استدل أبو الحسن بالإجماع في إثبات كثير من الأصول العقدية في كتابه «الإبانة» (1112) ، وتجلت تلك الظاهرة بصورة أوضح في «رسالة أهل الثغر» التي تقوم في شطرها الأكبر على بيان العقائد التي أجمعت الأمة عليها، وقد جعل أبو الحسن الباب الثاني منها تحت عنوان «ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول التي نبهوا بالأدلة عليها، وأخذوا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم بها» (1113) ، ثم سرد واحدًا وخمسين إجماعًا، استوعبت جل أصول العقيدة وأبوابها، حتى ما نص المتكلمون على أنه لا سبيل لإدراكه إلَّا عقلًا؛ كحدوث العالم، ومخالفة الله للحوادث، وإثبات الصفات المسماة عندهم بالعقلية أو الذاتية، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك الكثير (1114) .