فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 584

وأما مذهب المعتزلة، فهو القول الأول الذي يشهد له الكتاب والسُّنَّة والإجماع (1106) ، وكل ما سواه شذوذ، وخروج عن إجماع الأمة، وعقائد سلفها الصالحين، ومن المؤكد -طبقًا لتلك النظرة- أن مذهب الاعتزال لم يبدأ من جهة واصل بن عطاء؛ لأن ذلك يناقض فكرة اتفاق الأمة عليه، وإنما كان من واصل التشدد في الكلام على من أحدث التشبيه والخروج والإرجاء، أما أصول المذهب وآراؤه، فهي وثيقة الصلة وعميقة الارتباط بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (1107) .

وقد واجه المعتزلة في محاولتهم تلك -لإسباغ الإجماع على مذهبهم- مشكلة الكثرة العددية، التي تشبث بها خصومهم، فكيف يكون الإجماع واقعًا على ما يعتقدونه من آراء، مع أن أكثرية الأمة وسوادها الأعظم مخالفون لهم، ومتبنون لأقوال على النقيض مما اختاروه؟ كما أن المعتزلة لم يكونوا في يوم ما سوى أقلية محدودة، واقتصر مذهبهم على الخواص والصفوة، أما جمهور المسلمين وعوامهم فليس من بينهم من دان بالفكر الاعتزالي، أو استمسك بأصوله.

ومن ثَمَّ لم يكن أمامهم من مخرج سائغ يتخلصون به من هذا المأزق إلَّا أن يربطوا مفهوم الإجماع بموافقة الحق والصواب، دون أدنى التفات إلى الكثرة أو القلة، وبناء على ذلك تصير الجماعة والإجماع ما طابق الحق ولو كان رجلًا واحدًا (1108) .

وقد أيدوا فكرتهم هذه بإيراد النصوص من الكتاب والسُّنَّة، والتي تدل على أن العبرة ليست في عدد القائلين، وإنما في التزامهم بمنهج الله وأوامره (1109) ؛ كقوله تعالى مادحًا القلة: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] وقوله: {وما آمن معه إلَّا قليل} [هود: 40] وقوله تعالى ذامًّا الكثرة المبطلة: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116] وقوله تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف: 102] وفي ضوء هذا المفهوم ينتهي القاضي إلى أن «المتمسك بالسُّنَّة والجماعة هم أصحابنا -والحمد لله- دون هؤلاء المشنعين، الذين عند التحقيق لا يميزون ما يقولون» (1110) .

وهكذا، حَرَصَ المعتزلة على تأكيد صلتهم بالإجماع، وإثبات تحققه في كل أصول المذهب وآرائه، مع أنهم قرروا بوضوح عدم صلاحية الاستدلال به على تقرير مسائل العقيدة الكبرى، وبذلك يكون الهدف الحقيقي من صنيعهم المشار إليه نصرة المذهب وتعضيده، وإلزام المخالفين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت