ويبدو أن المعتزلة أحسوا بأن مذهبهم في هذه المسألة مخالف لإجماع الأمة، التي لم يكن لها إلَّا أحد رأيين: إما رأي أهل السُّنَّة القائلين بأن مرتكب الكبيرة -بالرغم من فسقه- لا يزال داخل دائرة الإسلام، وإما رأي قلة من الخوارج القائلين بأنه كافر، فجاء المعتزلة وأحدثوا مذهبًا جديدًا وهو المنزلة بين المنزلتين، ومع مباينة قولهم هذا لآراء الأمة بأسرها فقد حاولوا باستمرار أن يجعلوه هو الإجماع، وما سواه شذوذ واختلاف، بطريقة لا تخلو من مغالطة، فالقاضي عبد الجبار يقول: «ما اخترناه من المذهب مجمع عليه متفق، فإن الناس على اختلافهم في صاحب الكبيرة، وقول بعضهم: إنه كافر، وقول البعض: إنه مؤمن، وقول آخر: إنه منافق، لم يختلفوا في أنه فاسق؛ فأخذنا نحن بالإجماع، وتركنا لهم الخلاف، وإلى هذا أشار الصاحب بقوله:
فالكل في تفسيقه موافق
قولي إجماع، وخصمي خارق» (1101)
وتبدو المغالطة في كلام القاضي من تعميمه مصطلح الفسق؛ بحيث يظهر كما لو كان ذا دلالة واحدة، في الوقت الذي يُحكم فيه على الفاسق بالتخليد في النار عند المعتزلة، وإن عومل دنيويًّا معاملة المسلم، ويعده الخوارج كافرًا دنيويًّا وأخرويًّا، بينما يعتبره أهل السُّنَّة موكولًا إلى مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ما دام مات موحدًا، ويُعامل في الدنيا معاملة سائر المسلمين.
ويتكرر الأمر نفسه عند القاضي في مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة؛ فمع إجماع سلف الأمة من الصحابة والتابعين على القول بها (1102) ، يتحول الأمر إلى النقيض، ويصير الإجماع واقعًا على نفي الرؤية لا على إثباتها، ويؤيد ذلك بما يدعيه من «أن جماعة المسلمين يثنون على الله تعالى، ويمدحونه بقولهم: يا مَن يَرَى ولا يُرَى» (1103) .
وبهذه الطريقة تصبح أقوال مخالفي المعتزلة بدعًا مخالفة لما كانت عليه كلمة الأمة في الصدر الأول، بدأت برأي الخوارج، ثم رأي المجبرة، ثم القول بالتشبيه، ثم رأي المرجئة، ثم إنكار خَلْق القرآن، ثم القول برؤية الله في الآخرة، ثم المخالفة في المنزلة بين المنزلتين، وكلها مذاهب محدثة (1104) مناقضة «لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما ثبت من الكتاب والسُّنَّة» (1105) .