وتابع أبو الحسين البصري شيخه في الرأي، مبينًا أنه لا يصح الاحتجاج بالإجماع على أن الله تعالى حكيم عدل، وأن محمدًا نبي، وما أشبه ذلك من مسائل، معللًا كلامه هذا بأنه لا يمكن معرفة صحة الإجماع إلا «بعد أن يعرف أن الله تعالى أو رسوله قد شهد بأن الإجماع حق، وأنهما لا يشهدان بشيء إلَّا وهو على ما شهدا به، وإنما يُعرف ذلك إذا عُرفت حكمة الله تعالى وأنه لا يفعل القبيح، وأن محمدًا صادق، وإذا كانت المعرفة بصحة الإجماع لا يمكن أن تتقدم على المعرفة بالله وبحكمته وصدق رسوله؛ لم يصح الاستدلال به على ذلك» (1097) .
وبالرغم من هذا التحديد الصارم للدائرة التي يمكن للإجماع أن يعمل خلالها، فإن أئمة الاعتزال يلحون بصورة متكررة على إظهار مذهبهم كما لو كان محل اتفاق الأمة وإجماع علمائها، سواء أكان ذلك على مستوى أصول المذهب الكبرى؛ كالتوحيد والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وغيرهما، أم فيما يتعلق بمنهجهم العام أصولًا وفروعًا.
فقد سرد أبو الحسين الخياط آراء المعتزلة العقدية حاكيًا اتفاق المسلمين عليها، بما يؤكد أن «الأمة بأسرها تصدق المعتزلة في أصولها التي تعتقدها وتدين بها» (1098) ، ثم ذكر تلك الأصول بطريقة تجمع بين المتفق عليه وتبتعد عن مواطن الخلاف، فالله واحد ليس كمثله شيء، وهو القديم وما سواه مُحدَث، وهو العدل في قضائه الرحيم بخلقه، الناظر لعباده، لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يريد ظلمًا للعالمين، وخير الخَلْق أطوعهم له، وهو الصادق في أخباره، والموفي بوعده ووعيده، والجنة دار المتقين، والنار دار الفاسقين، وبعد أن ينتهي من عرضها مجتهدًا في ربط كل أصل منها بدليل قرآني، يُعقِّب قائلًا: «وهذه الأقاويل الأمة مجتمعة عليها، ومصدقة قول المعتزلة فيها» (1099) .
كذلك رد الخياط على ابن الراوندي الذي نسب واصلًا إلى الخروج عن الإجماع في قوله بالمنزلة بين المنزلتين، فبَّرأ إمام مذهبه من تلك التهمة، مقررًا أنه «لم يُحدِث قولًا لم تكن الأمة تقول به فيكون قد خرج عن الإجماع، ولكنه وجد الأمة مجتمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور، مختلفة فيما سوى ذلك من أسمائهم، فأخذ بما أجمعوا عليه، وأمسك عما اختلفوا فيه» (1100) .