فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 584

عليه من أصول الاعتقاد، كما أنها مباينة للعقل وأدلته، فلا هم مع المنقول ولا مع المعقول، وليس على أقوالهم حجة بينة أو دليل معتمد.

ووفقًا لهذه النظرة الاعتزالية يتساوى الإجماع -في الجملة- مع نصوص الكتاب والسُّنَّة في المجالات التي يمكن له أن يعمل خلالها، والتي لا تتجاوز بحال من الأحوال دائرة المسائل العقدية الفرعية دون الأصول الكبار التي لا تصلح النقليات بأسرها لتثبتها استقلالًا، كما يتشابه الإجماع من ناحية أخرى مع ألفاظ نصوص الوحيين في وجوب تأويله إذا خالف آراء المذهب، أو تعارض مع ما يعدونه قواطع عقلية.

وإذا انتقلنا من تقرير الموقف النظري إلى استعراض بعض النماذج التطبيقية فسيبدو لنا بوضوح التزام المعتزلة الجازم بالأسس العامة التي وضعوها للتعامل مع الإجماع والاستدلال به؛ فالقاضي عبد الجبار يناقش آراء خصومه في مسألة أفعال العباد، حينما احتجوا بأن الأمة قد أجمعت على القول بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فيرد عليهم بأن «الاستدلال بالإجماع على هذه المسألة غير ممكن؛ لأن كون الإجماع حجة، إما أن يستند إلى الكتاب وإما إلى السُّنَّة، وكلاهما إنما يثبت حجة إذا ثبت عدل الله وحكمته، وأنه لا يفعل القبيح ولا يختاره ولا يشاؤه، فكيف يصح هذا الإجماع؟» (1094) .

وبعد أن ينفي القاضي صلاحية الاستدلال بالإجماع في الموضوع برمته -حتى لا يستلزم ذلك الوقوع في الدور المحال- يلجأ إلى وسيلة أخرى للتعامل معه؛ وهي تأويله على فرض ثبوته، ويحتج على لزوم التأويل بأن مراد الأمة بهذا القول لا يُعلم ضرورة، وإذا لم يُعلم مرادهم على وجه الضرورة «فلا بد من أن يُصار إلى التأويل كما في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله؛ لأن الإجماع إن لم ينقص عن الكتاب والسُّنَّة لا يزيد عليهما، وإذا اشتغلوا بالتأويل فليسوا به أولى منا، فنتأوله على وجه يوافق دلالة العقل والسمع» (1095) .

ومع أن القاضي لم يذكر التأويل الذي اختاره في هذا الموضع، فقد زاد المسألة تفصيلًا في كتابه «المحيط بالتكليف» ، ونص على أن معنى هذا الإجماع «أن ما شاءه من أفعاله فلا مانع دونه» (1096) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت