فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 584

ظاهرة خطيرة وهي ما يُعرف بالتفسير المذهبي؛ حيث يجعل المفسر المذهب أصلًا والتفسير تابعًا، فيحتال في تأول الآيات حتى يصرفها إلى عقيدته ويردها إلى رأيه بأي طريق كان، واستفحل الأمر إلى درجة جعلت القوم يتَّسعون في حماية آرائهم والترويج لمذاهبهم بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على مرادهم لا على مراد الشرع وقوانين اللغة (1863) .

ووصل الحال ببعض المسلمين إلى أن يقولوا: إن القرآنَ يدل على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب، والقول بالجبر صحيح وله أصل في الكتاب، فمن قال بهذا أو ذاك فهو مصيب؛ لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين، واحتملت في ظاهر ألفاظها معنيين متضادين، أو كما يقول أبو الفضائل الرازي: «هذه الأدلة ما تعارضت إلَّا ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا من اختلاف هذه الأمة» (1864) وفي هذا الكلام نظر، فالإخبار عن وقوع الاختلاف شيء، والقول بأن الأدلة متعارضة وظاهرها يدل على صحة كل مذهب حقًَّا كان أو باطلًا- شيء آخر، وليست المشكلة في الأدلة ذاتها وإنما في طريقة فهمها وكيفية التعامل معها.

ثمة ارتباط وثيق بين التأويل وموضوع المحكم والمتشابه، فكل واحد من أصحاب المذاهب يدعي -كما يقول الرازي- أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة؛ ولذا وجب تأويلها وردها إلى المحكم، وعلى هذا فالمجال الرئيسي للتأويل هو النصوص التي عدَّها المتكلمون متشابهة وأحسوا بوجود مشكلة في دلالتها، مما يستلزم البحث عن حدود المحكم والمتشابه وبيان المراد بكلٍّ منهما.

وقد دار خلاف طويل حول هذه المسألة وحظيت باهتمام المفسرين والأصوليين والمتكلمين، وحاولٌّ كل منهم تقديم تعريف منضبط يحدد بدقة المراد بهذين المصطلحين؛ نظرًا لما يترتب عليهما من نتائج مهمة، وقد عدَّ ابن خلدون الخلاف حول هذه القضية أحد الأسباب الجوهرية التي أدت إلى ظهور علم الكلام ومدارسه المتنوعة (1865) .

ويدل استقراء آيات القرآن الواردة حول هذا الموضوع على وجود نوعين من الإحكام والتشابه؛ أحدهما: عام، والآخر: خاص، والقرآن محكم كله بالمعنى العام، كما في قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت