من خلال مفهوم التعارض الذي تقدمت الإشارة إليه، ومع القول بتساويه في المعنى مع التناقض، يمكن أن نخرج بمجموعة من الشروط التي لا بد من توافرها، حتى يُحكم على دليلين بأنهما متعارضان (1643) :
أولًا: أن يكون الدليلان متضادين تمامًا؛ كأن يُجوِّز أحدهما وقوع شيء بينما يحكم الآخر باستحالته، أو يثبت أحدهما ما ينفيه الآخر، وهذا ما ادَّعاه المعتزلة في النصوص المثبِتة لصفات زائدة على الذات، بحجة إيهامها التشبيه أو التجسيم، وهو ما يحيله العقل، وبالتالي أثبتوا التعارض بين النقل والعقل، وبحثوا عن وسيلة أو مخرج من هذا الإشكال.
وتكرر نفس المسلك عند متأخري الأشاعرة فيما يتعلق بالصفات الخبرية؛ لكن إذا تبيَّن أن الفهم الصحيح للنصوص يُبعدها تمامًا عن شبهة التجسيم أو التشبيه، فلا مجال لوجود التعارض وما يتبعه من النظر في تقديم أحد الدليلين على صاحبه.
ثانيًا: أن يتساوى الدليلان في القوة حتى يتحقق التقابل والتكافؤ الفعلي بينهما، ومن ثَمَّ فلا تعارض بين دليلين تختلف قوتهما من ناحية الدليل نفسه؛ لأن التعارض فرع التماثل، ولا تماثل بين القوي والضعيف، وإذا كان أحد الدليلين أقوى من الآخر بذاته، وجب العمل بالأقوى وترك ما دونه، و عليه فلا يصح أن يقال بتعارض دليل قطعي مع دليل ظني؛ لأن القطعي يجب تقديمه مطلقًا، ولا توصف المسألة حينئذٍ بأنها من باب التعارض بين الأدلة، لانتفاء شرط المساواة في القوة.
ثالثًا: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين مختلفين، ومن أمثلة ذلك في الأحكام الفقهية: أن الشارع حرَّم نكاح أم الزوجة تحريمًا مؤبدًا وأحل نكاح ابنتها، ولا تعارض بين الحكمين لاختلاف محل التحرم والتحليل، وفي الأحكام العقدية: نجد كثيرًا من المتكلمين قد توسعوا في قياس الغائب على الشاهد؛ وهو في الأصل مفهوم أصولي فقهي، اعتُمد عليه كطريق لإثبات الأحكام الشرعية العملية، ثم انتقل إلى