المبحث الثاني
نقد فكرة الدور
تبين من خلال عرض مفهوم فكرة الدور، وتتبع جذور نشأتها، ثم مراحل تطورها، وموقف المدرستين الاعتزالية والأشعرية منها -أن هناك ثلاث مسلمات كانت الدافع الرئيسي والسبب الجوهري، الذي ترتب عليه ظهور الفكرة، وسائر النتائج والآثار التي انبثقت عنها؛ وهذه المسلمات هي:
أولًا: أن العقل أصل للنقل، ومن ثم فالنقل فرع عنه، وتابع له.
ثانيًا: أنه لا بد من البدء بمجموعة من الخطوات الضرورية قبل إثبات صحة النقل؛ مثل: معرفة الله وصفاته، وإثبات صحة النبوة، وصدق الرسول، وبدون هذا الترتيب لا يمكن أن نصل إلى تقرير صحة الأدلة النقلية.
ثالثًا: الفصل التام بين الدلالتين النقلية والعقلية، والنظر إلى الأدلة السمعية كما لو كانت نصوصًا لفظية مجردة، تنحصر فائدتها في الإخبار عن الله، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وحجيتها ليست ناشئة من قبيل مضمونها الذاتي؛ وإنما لكونها كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولما كانت مناقشة أو نقد فكرةٍ ما يستلزم بصورة حتمية لا غنى عنها النظر في الأسس والمسلمات التي بُنيت عليها، فإن نقدنا لفكرة الدور سيُركز على مناقشة المسلمات الثلاث المذكورة، ثم تقويمها والحكم عليها إيجابًا أو سلبًا، وتصويبًا أو تخطئةً؛ لنرى في نهاية الأمر مدى صحتها من ضعفها.
ولعل من المهم -وقبل الشروع في المناقشة التفصيلية للأسس المشار إليها- أن نعرض بإيجاز لأحد العوامل التي أسهمت بقدر كبير في نشأة فكرة الدور، وساعدت على ترسخها عند المعتزلة والأشاعرة وسائر الفرق الكلامية الأخرى، ويتعلق هذا العامل بمفهوم علم الكلام وطبيعته،