فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 584

وقد أومأ بعض الأشاعرة (154) إلى بيان الفرق بين مأخذ كل من الأصوليين والمتكلمين في التعريف، فالأصولي يهتم باللفظ لكونه المستدَل به على الأحكام الشرعية، بخلاف المتكلم الذي يبحث في العقائد، ومن جملتها الكلام بمعنى الصفة النفسية، كما أن القرآن قد يُطلَق على الألفاظ الدالة على ما في النفس، وقد يُطلَق على مدلول هذه الألفاظ، والأصولي يبحث في الكلام بالمعنى الأول، والمتكلم يبحث في الكلام بالمعنى الثاني (155) .

وقد أورد على هذا التفريق الأشعري (156) بين الكلام النفسي القديم، والألفاظ الحادثة المعبرة عنه العديد من الإشكالات والانتقادات، ولم يوافقهم على القول به خصومهم من المعتزلة، وساووا بين الأمرين في الحدوث (157) ، كما خصَّهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيم، وغيرهم من أعلام المدرسة السلفية بردود مطولة في كتبهم (158) .

ولما كانت هذه الرسالة تتناول الموقف الاعتزالي والأشعري من حجية القرآن كدليل على المسائل العقدية، فمن الطبيعي أن نعرض عن المفهوم الكلامي، ونحذو حذو الأصوليين وأصحاب علوم القرآن، الذين تباينت تعريفاتهم طولًا وقصرًا، ويجمع بينها أن القرآن هو «كلام الله المعجز، المُنزَّل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المفتتح بسورة الفاتحة، والمختتم بسورة الناس» (159) .

أولًا: موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته

تتابعت أقوال أئمة الاعتزال في بيان حجية القرآن الكريم، وإثبات دلالته على المسائل العقدية، وإمكانية الاحتجاج به، والتعويل عليه، سواء بالتصريح، وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، أو بالرد والتفنيد لأباطيل مَن طعن في القرآن، أو أثار الشُّبَه والشكوك حوله، ولكثرة تلك الأقوال وتنوعها، فسوف نجتزئ نماذج تُمثِّل صورة واضحة للمذهب في أطواره المتعددة، ومراحله المختلفة، وأما تفصيل استدلالهم على تلك الحجية فله مجال آخر من القول تكفلت به الدراسات الخاصة بإعجاز القرآن، وهي كثيرة ومتوافرة (160) .

وقد لخص القاضي عبد الجبار -مُنظِّر المذهب، وجامع شتاته في العصور المتأخرة- الأساس الذي عن طريقه ثبتت حجية القرآن عندهم، فأشار إلى أن «الكتاب إنما ثبت حجة متى ثبت أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت