كلام عدل حكيم لا يكذب، ولا يجوز عليه الكذب، وذلك فرع عن معرفة الله بتوحيده وعدله» (161) .
ويُستخلص من خلال هذا النص أن ثمة أمورًا ثلاثة يتوقف كل واحد منها على ما بعده؛ وهي:
(أ) إثبات حجية القرآن.
(ب) إثبات عدل الله، وحكمته، وصدقه.
(جـ) معرفة الله بالتوحيد والعدل.
ولا يمكن إثبات الأمر الأول -وهو حجية القرآن- إلَّا بعد تقرير الأمرين الثاني والثالث، وبذلك تأتي مرحلة إثبات حجية النص القرآني، وما يتبعها من صحة الاستشهاد به على المسائل العقيدة، كفرع عن معرفة الله، وتوحيده وعدله، وإثبات صدقه، وستمهد هذه الطريقة لظهور مبدأ كلامي ذي آثار خطيرة على التعامل مع الدليل النقلي؛ وهو مبدأ «الدور» ، وسوف يرد الكلام عنه تفصيلًا فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وإذا ما انتقلنا إلى أقوال المعتزلة في عدِّ القرآن ضمن مصادر الأدلة التي يُستشهد بها على معرفة الحقائق والوصول إليها، فأول ما يطالعنا كلام إمام الاعتزال وأحد مؤسسيه الأوائل (162) واصل بن عطاء (ت 131 هـ) حيث نقل عنه الجاحظ أنه «أول مَن قال: الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع» (163) .
ويلاحظ أن واصلًا يقدم القرآن في الذكر على العقل بخلاف من أتى بعده من المعتزلة، فالسمة الغالبة عندهم تقديم حجة العقل على القرآن في الترتيب، ولا شك أن التقديم حتى لو اقتصر على الجانب الشكلي فحسب يعطي إشارة لمنهج صاحبه العام، وطريقته في التعامل مع الأدلة المختلفة.
وإضافة لقول واصل المتقدم، فإن مسلكه العملي يأتي معضدًا ومؤكدًا لما نقله الجاحظ، فقد حكت عنه زوجته «أنه كان إذا جنه الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة موضوعان بجانبه، فإذا مرت آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها، ثم عاد في صلاته» (164) .