فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 584

ولا يظهر بوضوح: هل كان يقطع صلاته ليدون الآية -وفي هذا ما فيه- أو أنه كان يدونها بعد أن ينتهي من صلاته؟ وعلى أية حال، ففي صنيعه دلالة على الاهتمام بحجج القرآن وبراهينه في الرد على مذاهب الخصوم وآرائهم، ويبدو ذلك أكثر وضوحًا في مناظرات واصل التي نقلت إلينا، كمناظرته مع عمرو بن عبيد في شأن مرتكب الكبيرة (165) ، وإن كانت لا تخلو من توجيه الآيات وجهة معينة تئول في نهاية المطاف إلى نُصرة المذهب وتأييد مقالاته.

ومن مظاهر اهتمام واصل بالقرآن وأدلته تصنيفه كتابًا في التفسير أسماه «معاني القرآن» (166) ، ولم يصل إلينا هذا الكتاب، كما لم ينقل عنه أحد من المعتزلة -ولا من أهل السُّنَّة- سوى شذرة في تفسير المحكم والمتشابه (167) ، حكاها الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (168) ، وفيها يحاول واصل تحديد المصطلحين بما يتوافق مع مذهب المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين.

ولعمرو بن عبيد (ت 144 هـ) -رفيق واصل وصاحبه- عناية بالدراسات القرآنية، تمثلت في كتاب التفسير الذي نسبه إليه كلٌّ من طاش كبرى زاده (169) ، وابن خلكان (170) ، وغيرهما (171) ، ولم يصل إلينا هو الآخر، وإن كان من المتوقع ألا يخرج عن الطريقة الاعتزالية العامة في التفسير، والتي يغلب عليها إيثار الاتجاه العقلي، والاعتماد على التحليل اللغوي والبلاغي، والإسراف في التأويل لكل ما يتعارض مع المذهب من ظواهر الآيات ومدلولاتها.

ويؤيد هذا الاحتمال رسالة مطولة أرسلها واصل إلى عمرو، وتعد وثيقة نادرة على قدر كبير من الأهمية، وفيها ينكر بشدة على عمرو طريقته في تفسير القرآن، ونزعته المغالية في التأويل، قائلًا له: «فأدِّ المسموع، وانطق بالمفروض، ودعْ تأويلك الأحاديث على غير وجهها، وكن من الله وَجِلًا، فكأن قد» (172) .

ثم ذكَّره بمقالة الحسن البصري قبل وفاته بقليل: «اللهمَّ إني قد بَلَّغْتُ ما بلغني عن رسولك، وفسرت من محكم تأويلك ما قد صدقه حديث نبيك، ألا وإني خائفٌ عَمْرًا، ألا وإني خائفٌ عَمْرًا، شكاية لك إلى ربه جهرًا، وأنت عن يمين أبي حذيفة، أقربنا إليه» (173) .

وتثير النظرة الفاحصة لهذه الرسالة عددًا من التساؤلات، كما تُنْبِئُ عن مجموعة من الحقائق، أبرزها ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت