فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 584

(أ) شاع في الكتابات التي أَرَّخَتْ لمرحلة النشأة الاعتزالية أن واصلًا وعمرًا فارقا مجلس الحسن البصري إثر خلافهما معه في حكم مرتكب الكبيرة، ثم انقطعت الصلات بينهم بعد ذلك، بينما تومئ نصوص هذه الرسالة إلى استمرار تلك الصلة ودوامها بغير انقطاع حتى وفاة الحسن رحمه الله، مما يُحتاج معه إلى إعادة دراسة هذه المسألة مرة أخرى (174) .

(ب) يظهر من كلام واصل أنه أشد التزامًا بالنصوص، وأكثر مراعاة لها، وأبعد عن الإغراق في التأويل من عمرو، مع أن الآراء المبثوثة في كتب الفرق والمنسوبة إليهما لا تشير إلى شيء من ذلك التمايز (175) ، فهل حدث تحول في آراء واصل بعد وفاة الحسن، أم أن ضياع كتبه ومصنفاته هو السبب في هذه المشكلة؟

(جـ) يبدو من شكوى الحسن وواصل من عمرو أن تأويلاته وابتعاده عن ضوابط المنهج الصحيح في فهم النصوص وتفسيرها قد اشتهر حتى صار محل إنكار أصحابه، بل رفيقه في المذهب ومشاركه في الرأي وزوج أخته (176) واصل، ولكن يبقى مع هذا كله أن موقف عمرو من حجية القرآن كموقف غيره من المعتزلة، وإن انفرد بمشرب خاص في التعامل مع النصوص الشرعية، غلب عليه التأويل والإسراف في النزعة العقلية.

ولا يخرج إبراهيم النظَّام (ت 231 هـ) عن الإطار السابق، وقد حكى الجاحظ في كتابه «الفتيا» -وهو أحد كتبه المفقودة (177) - أن النظَّام قال: «الحكم يُعلَم بالعقل، أو الكتاب، أو إجماع النقل» (178) ، وربما كانت هذه أول بادرة في تقديم العقل في الترتيب على القرآن، وسنرى فيما بعد هل هو مجرد ترتيب ذكري لا يستلزم أحكامًا ومواقف منهجية، أم يعدُّ ترتيبًا مقصودًا صادرًا عن نظر خاص لأنواع الأدلة، نقلية كانت أو عقلية، ومكانة كل نوع منها؟

أما الجاحظ (ت 255 هـ) فقد سَخَّر قلمه السيال وبيانه الرفيع في نصرة مذهب المعتزلة، والرد على مخالفيه، ومن ذلك احتجاجه للقرآن ودفاعه عنه، وقد بلغت جهوده في هذا الصدد درجة دعت الخياط (ت 300 هـ) إلى المبالغة في الثناء عليه ومدحه، جازمًا بأنه ليس في المتكلمين أحد نَصَرَ الرسالة واحتجَّ للنبوة مثلما فعل الجاحظ، ولا يُعرف كتاب في الاحتجاج لنَظْمِ القرآن وعجيب تأليفه غير كتابه (179) الموسوم بـ «نظم القرآن» وهو من آثار الجاحظ المفقودة (180) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت