فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 584

وقد ذُكر أنه أجهد فيه نفسه، وبلغ أقصى ما يمكن لمثله في الاحتجاج للقرآن والرد على كل طعان (181) .

وإن كان الباقلاني -الإمام الأشعري الكبير- يحاول أن يكفكف من غلواء المعتزلة وانبهارهم بالكِتَابِ، وفي رأيه أن الجاحظ «لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى» (182) ، ولا يعنينا في هذا المقام أن نفصل في النزاع حول قيمة الكتاب ومكانته، فقد أدلى المتخصصون بدلوهم في ذلك (183) ، وإنما المراد اتخاذه نموذجًا يوضح موقف المعتزلة من حجية القرآن، وجهودهم في إثباتها.

وتتميز أقوال الجاحظ بخصيصة ينفرد بها عن سائر أصحابه المتكلمين، تتجلى في فصاحته الواضحة، وبلاغته العالية، ولغته الجزلة، التي ترطب كثيرًا من جفاف الأسلوب الكلامي وعباراته المغلقة.

ففي حديثه عن القرآن وحجيته، وعظيم منزلته ومكانته، يصفه بأنه «حجة على الملحد، وتبيان للموحد، وقائم بالحلال المنزل، والحرام المفصل، وفاصل بين الحق والباطل، وحاكم يرجع إليه العالم والجاهل، وإمام تُقام به الفروض والنوافل، وسراج لا يخبو ضياؤه، ومصباح لا يخزن ذكاؤه، وشهاب لا يطفأ نوره، ومعدن لا تنقطع كنوزه» (184) ، ولا يخفى الفرق بين الأسلوب وبين النهج الكلامي ذي التقسيمات، والتفريعات المتشعبة، والمسالك العقلية الدقيقة التي يستعصي فهمها إلَّا على قلة من المتخصصين.

وإذا انتقلنا إلى الجامعين بين الاعتزال والتشيع بفرعيه الزيدي والاثني عشري، فسوف نجدهم لا يخرجون عن موقف المعتزلة العام في تقرير حجية القرآن، ومكانته في الاستدلال، والمطالِع لرسائل العدل والتوحيد يلحظ بوضوح تيارًا يتميز بكثرة الاستشهاد بالنص القرآني سواء من ناحية كم الآيات وعددها، أو من ناحية كيفية الاستدلال بها؛ إذ يتقدم النص القرآني على الأدلة العقلية (185) ، وهي سمة قلما توجد عند غيرهم، وعلى المستوى النظري تتشابه أقوالهم مع المعتزلة الخلص، وتنحصر مصادر الأدلة عند يحيى بن الحسين (186) (ت 298 هـ) والقاسم الرسي (187) (ت 246 هـ) والشريف المرتضى (188) (ت 436 هـ) في الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة وحجج العقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت