فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 584

وتبعًا للنسق الفكري الاعتزالي فإن حجية السُّنَّة فرع عن إثبات صدق الرسول، والذي يعتبر بدوره فرعًا عن إثبات توحيد الله وعدله، فلا بد أولًا من إثبات التوحيد والعدل، ومعرفة الله بذلك، ثم يتحصل العلم به سبحانه مُرسِلًا للرسول، ومميزًا له بالمعجزة التي تثبت صدقه، فإذا ثبت صدق الرسول ثبتت حجية أقواله (524) ، وسيكون لهذا المنهج أثر بالغ الوضوح في نظرة الفكر الاعتزالي للمجالات العقدية التي يمكن للسنة أن تعمل خلالها، ودرجة الاعتماد عليها في إثبات أي أصل من الأصول الكبرى، والتي يشترطون إثباتها عقليًّا، قبل الكلام عن حجية السُّنَّة نفسها.

والشواهد والنصوص الدالة على إقرار المعتزلة بحجية السُّنَّة نظريًّا كثيرة ومتنوعة، لكننا سوف نركز على أربعة أمور، تتمثل فيما يلي:

أولًا: الأقوال الصريحة في عدِّ السُّنَّة ضمن مصادر الأدلة

وسبق أن نقلنا طرفًا منها في الكلام عن حجية القرآن فلا داعي للإعادة، وإن كان يُلاحظ وجود نوع من الاختلاف في المصطلح، فمصادر الأدلة عند واصل تنحصر في «كتاب ناطق، وخبر مجتمَع عليه، وحجة عقل، وإجماع» (525) وهو يعمِّم في إطلاق لفظ الخبر، ولا يبين هل المقصود أي خبر متفق على نقله -بغض النظر عن قائله- أو الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة، ولعل المعنى الأول أظهر؛ إذ يصير الخبر مصدرًا معرفيًّا عامًّا، يتوصل به إلى إدراك الحقائق، والمهم أن السُّنَّة تدخل في مفهوم الخبر على كلا التقديرين، وعلى غرار مقالة واصل وما فيها من تعميم يذكر النظَّام أن «الحكم يُعلم بالعقل أو الكتاب أو إجماع النقل» (526) .

لكن هذا التعميم أو التعبير بلفظ «الخبر» أو «النقل» يرد بصورة أكثر تحديدًا عند معتزلي متأخر، وهو القاضي عبد الجبار، الذي يؤثر استعمال لفظ «السُّنَّة» على لفظي «الخبر» و «النقل» فيصرح بأن «الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسُّنَّة، والإجماع» (527) وقريب من ذلك ما ذكره الجاحظ من أن الحلال والحرام يعرفان «بالكتاب، والسُّنَّة المجمع عليها، والعقول الصحيحة» (528) .

وتبرز عند بعض أئمة المعتزلة فكرة تقسيم السنن إلى أصول وفروع، أو سنن مشهورة وأخرى غير مشهورة، ويترتب على تلك القسمة قبول أحاديث المنع الأول والاحتجاج بها وجعلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت