فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 584

أصلًا، ورد أحاديث النوع الثاني وبطلان الاحتجاج بها، وتظهر هذه الفكرة عند القاسم الرسي (529) ، وعند الخياط الذي يقول في هذا الصدد: «لرسول الله سننٌ معروفة، ينقلها جماعة الأمة، فمن تفرد بخبر يخالف سَنَنَه المعروف عُرِف كذبه ورُد عليه قولُه، وكانت السنن المشهورة المعروفة تشهد على باطل ما نحله» (530) .

وثمة قصة حكاها ابن المرتضى عن معتزلي يُدعى أبا القاسم السيرافي، ثار ثورة شديدة من انتقاص أهل القرآن والحديث، حينما حضر مجلسًا عقده أحد الوزراء بالبصرة للجمع بين أصحاب أبي هاشم والإخشيدية، حين عظمت الفتنة بينهما، فاتفق من أحد زعماء الطائفتين أن وبَّخ الوزير لإحضاره العامة، وقال: «إنهم من أهل القرآن والسنن! يريد بذلك أن ينتقص مكانتهم، فأقبل أبو القاسم عليه بالتعنيف الشديد، وقال: كأنك ذممت ما جعله الله طريق معرفته» (531) .

وتعد هذه القصة ذات دلالة مزدوجة؛ إذ يظهر من خلالها وجود تيارين اعتزاليين، أحدهما: يستهين بالمستمسكين بالنصوص والآثار، ولا يلقي لهم بالًا، مما يوهم بانتقاص مكانة النصوص نفسها، والاتجاه الآخر: ينكر ذلك الصنيع وينتقد أصحابه، ويبقى أن نبحث عن أي التيارين كان له الغلبة والسيطرة على مسار الفكر الاعتزالي تجاه السُّنَّة والأدلة النقلية بصفة عامة؟

وفي مجال التفنيد لشبهات منكري حجية السُّنَّة يرد الزمخشري (532) في تفسيره لقول الله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] على ما يمكن أن يظنه البعض من إمكانية الاكتفاء بالقرآن، وعدم الحاجة إلى السُّنَّة، مثلما فعل نفرٌ من العصريين (533) موجهًا المعنى بأن البيان القرآني نوعان، أحدهما: نص قرآني، والآخر: إحالة على السُّنَّة، وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به من نصوصها.

ويُعَد القاضي عبد الجبار من أبرز الذين حاولوا إظهار الفكر الاعتزالي في موقف المتمسك بالسُّنَّة، والحريص على اتباعها، وقد دافع بشدة عن موقف أصحابه، ولا سيما في كتاب «فضل الاعتزال» حيث عقد فصلًا، يناقش فيه من نسبوا المعتزلة إلى الخروج عن التمسك بالسُّنَّة والإجماع، وأنهم ليسوا من عِداد أهل السُّنَّة والجماعة، وبعد أن ذكر أدلتهم على تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت