التهمة ومنها خلو كتبهم من سنن الرسول- انتهى إلى أن «المتمسك بالسُّنَّة والجماعة هم أصحابنا والحمد لله، دون هؤلاء المشنعين» (534) .
ولكنه عاد بعد قليل فأحس أن لقب أهل السُّنَّة والجماعة والذي شاع إطلاقه على أصحاب الحديث والأثر بما لمنهجهم من خصائص وسمات مميزة ولم يستخدم مطلقًا على سبيل الوصف للمعتزلة- يمكن أن يمثل عبئًا على الفكر الاعتزالي؛ إذ يزيل الفروق بينه وبين أهل السُّنَّة الحقيقيين، وهو أمرٌ لا يستسيغه المعتزلة؛ إذ ينظرون إلى أهل السُّنَّة كمشبهة وحشوية وعوام مقلِّدين، زوامل للأسفار، وحفَّاظ نصوص، دون إعمال للنظر العقلي أو فهم لما يتداولونه بينهم، ومن ثَمَّ صارت التسمية عنده إذا «لم تُوهِم التشبيه والجبر على ما جرت به عادة القوم في التسمي بذلك- فهو جائزٌ، وإلا وجب تجنبه» (535) ولو أن قائلًا قال لأحد المعتزلة: «أنت من أهل السُّنَّة والجماعة، وكان البلد يغلب عليه هؤلاء المشبهة- لم يحسن منه أن يقول: نعم، حتى يتبين المراد، فإذا لم يكن لهذا الكلام غلبة» (536) جاز، وإلا مُنع.
وتبلغ المبالغة والعصبية للمذهب مداها عند القاضي، حينما لا يكتفي بربط الاعتزال بالسنة فحسب، بل يصير مرادفًا لدين الإسلام، الذي أُرسل به الرسل وبُعثت به الكتب وجاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم (537) ، وهكذا يبدو الاعتزال كما لو كان اتجاهًا أثريًّا موصولًا بالنصوص، ودائرًا في فلكها، طريقته السُّنَّة ومنهجه الاتباع، أو كما يقول القاضي باللفظ: «ليعرف من قرأ كتابنا أن التمسك بالسُّنَّة طريقتنا» (538) ولا يتبقى إلَّا التنصيص على اعتزالية الصحابة، وأن المعتزلة المتأخرين خير خلف لأفضل سلف، وقد وقع ذلك بالفعل من معتزلي اسمه محمد بن يزداد الأصبهاني حيث ذكر أن «المعتزلة الأولى هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يدا واحدة يتولى بعضهم بعضًا، واتفقوا على هذه الأصول» (539) أي: أصول المعتزلة الخمسة المعروفة.
ولن نطيل في مناقشة الأقوال المتقدمة؛ إذ يغلب عليها الطابع الدعائي، ومحاولة تحسين صورة المذهب، ولكنها -على أية حال- تعطينا إشارة واضحة عن اهتمام المعتزلة -ولا سيما متأخريهم- بالانتساب للسنة والاعتداد بها، ولو كان ذلك على المستوى النظري، وأما الموقف العملي التطبيقي فسوف يتضح من خلال المبحثين القادمين إن شاء الله تعالى.