فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 584

ولعل هذا الأصل أقرب إلى الشرعيات منه إلى مسائل الاعتقاد، وتكاد كلمة المعتزلة تتفق على أن معرفته مردودة إلى السمع، وإن اختلفوا في إمكانية العلم به عقلًا (1352) ، فذهب أبو علي الجبائي والقاضي عبد الجبار إلى تجويز ذلك، ومال أبو هاشم إلى أنه لا يُعلم عقلًا إلا في موضع واحد، وهو أن يرى أحدنا غيره يظلم شخصًا ما، فيلحقه بذلك غمٌّ، فيجب عليه حينئذ النهي والإنكار، دفعًا لذلك الضرر الذي لحقه من الغم، فأما فيما عدا هذا الموضع فلا يجب شرعًا.

وهكذا يظهر من خلال تتبع الأصول الاعتزالية أن أبرز أصلين -وهما التوحيد والعدل- مقصوران على العقل وحده، وأما سائر الأصول الأخرى فمشتركة بين السمع والعقل في طريق إثباتها، أو مقصورة على السمع وحده، والحال نفسه فيما يتعلق بالإمامة التي بالغ بعض المعتزلة بفعل المؤثرات الشيعية فعدوها أصلًا سادسًا، وأكدوا على ضرورتها، وإن اختلفوا في مصدر وجوبها: هل هو العقل أم السمع؟

فأوجبها الخياط والكعبي والماوردي عقلًا وسمعًا، وأوجبها بعض المعتزلة والشيعة عقلًا فقط، ورجح القاضي عبد الجبار وجمهور المعتزلة قصر وجوبها على الدليل السمعي وحده (1353) .

انتقلت فكرة الدور من المعتزلة إلى المذهب الأشعري، وظهرت بصورة شبه متطابقة نتيجة علاقات التواصل والتأثير والتأثر بين المدرستين، والتي تراكمت عبر مراحل تاريخية متتابعة، محدثة في نهاية المطاف نوعًا من التشابه الواضح في بعض الأسس المنهجية ومنها فكرة الدور، ولا سيما عند متأخري المذهبين.

وكما هو معلوم، فإن أبا الحسن الأشعري قد اعتنق الفكر الاعتزالي، وتربى عليه مدة طويلة، واستوعب آراءه، حتى بلغ منزلة كبيرة في المذهب؛ مما حدا به إلى تأليف عدد من الكتب التي تنصره وتدافع عنه أمام خصومه ومناوئيه، وأبرز من تعلم أبو الحسن على أيديهم زوج أمه أبو علي الجبائي، أحد أئمة المعتزلة الكبار (1354) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت