فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 584

وهو مبدأ اعتزاليٌّ قائم على أساس أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب، وهذا المبدأ معتمد على السمع فحسب؛ لأنه كما يؤكد الخياط لا يُعلم بالقياس، وإنما يُعلم بالأدلة النقلية؛ إذ الكلام عن مقادير الثواب والعقاب وتفاصيله لا بد أن يكون الطريق إليه دلالة شرعية (1348) .

وإذا كان بإمكان العقل عندهم أن يدرك قبل ورود الشرع ترتب الثواب والعقاب على بعض الأفعال، فإن ذلك إنما هو على سبيل التجويز لا القطع، ومن الممكن أن يزيل الله تعالى العقاب ويسقطه عن فعل معين، أو عن شخص ما، فإذا أخبر تعالى بأنه لا يختار ذلك -أي: إنالة العقاب وإسقاطه- عُرف وجوب الثواب وتحتمه.

وعلى هذا، فتحديد الثواب والعقاب لا يُعلم إلا بالسمع وإدراك العقل أن فعلًا ما قبيح، ولذلك سيترتب عليه عقاب إنما هو على سبيل الاحتمال لا القطع؛ لأنه يجوز أن يكون من صغائر الذنوب فيكون معفوًّا عنه، أو من الكبائر فيحبط الثواب ويؤدي إلى الخلود في النار، ولا تعرف حقيقة ذلك على القطع إلا بالسمع (1349) .

وثمة خلاف داخل المذهب الاعتزالي لا يخدش في صحة ما سبق ذكره، إذ تباينت آراؤهم في طريقة ثبوت أصل الوعد والوعيد، وهل هو مقصور على السمع أم يمكن أن يُعلم بالعقل والسمع معًا؟

فذهب أبو الهذيل العلَّاف والنظَّام إلى أنه لا يُعلم إلا سمعًا، واختار القاضي عبد الجبار إمكان العلم به سمعًا وعقلًا (1350) ، وبغض النظر عن هذا الخلاف فالجميع متفقون بصورة نظرية على أن الوعد والوعيد يمكن أن يُستدل عليه بالأدلة النقلية.

(جـ) المنزلة بين المنزلتين

ويندرج هذا الأصل عند المعتزلة تحت ما يُعرف بـ «مسألة الأسماء والأحكام» ، والصلة بينه وبين الوعد والوعيد صلة وثيقة، وقد نص أئمة الاعتزال على أنها مسألة شرعية، لا مجال للعقل فيها؛ لأنها كلام في مقادير الثواب والعقاب، وذلك مما لا يُعلم عقلًا (1351) .

(د) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت