فهذه أبرز الأوجه التي من أجلها ساق المعتزلة الأدلة السمعية في مسائل التوحيد والعدل، وكلها يؤكد أن العقل كان هو المعتمد الأساسي عندهم، والحجة الوحيدة المعول عليها في البرهنة على أصول العقيدة الكبار، والنقل تابع ومعضد ومؤكد لما أثبته العقل أو نفاه.
5 -وبناءً على فكرة الدور والتزامًا بنتائجها توزعت الأصول الاعتزالية الخمسة؛ من حيث طريقة ثبوتها نقلًا أو عقلًا، أو بكلا الأمرين على النحو التالي:
(أ) التوحيد والعدل
وهما لا يثبتان إلا عقلًا، ولا يصح الاعتماد على النقل في تقريرهما، ولا بد من المرور بعدة مراحل ومقدمات بغية الوصول إليهما، فيجب أولًا أن ينظر المكلف بعقله في الحوادث؛ ليعرف أنها محدثة وأنه لا بد لها من محدِث مخالف لها، وهو الله سبحانه وتعالى، ثم في صحة الفعل منه؛ ليعلم كونه قادرًا وأن فعله محكم ليعلم كونه عالمًا، ثم ينظر في كونه عالمًا وقادرًا؛ ليعلم كونه موجودًا، ثم ينظر في أن الحوادث تنتهي إليه، وهو لا ينتهي إلى أحد؛ ليعلم كونه قديمًا وأنه ليس بجسم ولا عرض وأنه عدل حكيم .. وبهذا تحصل جملة علوم التوحيد والعدل، طبقًا للتصور الاعتزالي لها (1345) .
وكما هو واضح فالأمور المذكورة لا يمكن التحقق منها وإثباتها إلا بالعقل عند المعتزلة، ولا يصح أن يستدل عليها بدليل نقلي ولو كان من القرآن، وقد التزم القاضي عبد الجبار بهذا المنهج التزامًا صارمًا في كتابه «شرح الأصول الخمسة» ، فبعد أن ذكر في مُفتتح كتابه أن أول واجب على المكلف هو النظر المؤدي إلى معرفة الله (1346) ، لأنه لا يعرف ضرورة ولا بمشاهدة؛ بل بالتفكر والنظر- أخذ يقدم مسائل التوحيد والعدل استدلالًا واحتجاجًا ومناقشةً، باستفاضة وإسهاب فيما لا يقل عن أربعمائة صفحة، لا يكاد يذكر في سياق استشهاداته العديدة نصًّا واحدًا من كتاب أو سُنَّة إلا ردًّا على خصم أو تأكيدًا لما انتهى إليه من رأي، وما سوى ذلك فأدلة عقلية محضة (1347) .
(ب) الوعد والوعيد