فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 584

4 -ومع أن مسائل التوحيد والعدل مقصورة على العقل فحسب عند المعتزلة، غير أن عددًا منهم ربما استشهدوا ببعض الأدلة السمعية في تقريرها، ويعدُّ كتاب الصاحب بن عباد «الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل» (1340) من أوضح النماذج على ذلك، حيث عُني مؤلفه بذكر الأدلة النقلية، التي يراها مؤيدة لمذهبه، في سائر الأبواب الاعتقادية، بما يُظهر الحرص الشديد على النقل والاحتجاج بأدلته.

وحتى لا يحدث نوع من التناقض أو التضارب بين ما صرح به المعتزلة نظريًّا من امتناع الاستدلال بالسمع على قضايا التوحيد والعدل، وبين طريقتهم العملية في الاحتجاج به أحيانًا- فقد أكدوا أن غرضهم من إيراد هذه الأدلة ينحصر في المقاصد التالية (1341) :

(أ) التأكيد والتقوية، وبيان موافقة السمع لأدلة العقول، ومن أمثلة ذلك ما فعله القاضي حينما استدل بحجج نقلية على مسألة من مسائل العدل، فعقب المعلق على «شرح الأصول» بأنه ما ساق تلك النصوص للاحتجاج بها، ولكن «تنبيهًا على أن كتاب الله المحكم يوافق ما ذكره من القول بالتوحيد والعدل» (1342) .

(ب) محاجة الخصم بما يعتقده، فمن يسميهم المعتزلة بالحشوية وأصحاب الحديث يعولون في المقام الأول على النقل، فكان من اللازم أن يناقشوهم بنفس ما يعتقدون.

(جـ) بيان مخالفة الخصم لأدلة الشرع كما خالف أدلة العقل، وهذا ما صرح به القاضي حينما نبه على أن الدليل النقلي ليس يصح الاحتجاج به «في إثبات التوحيد والعدل، وإنما نورده لنبين خروج المخالفين عن التمسك بالقرآن مع زعمهم أنهم أشد تمسكًا به، ونبين أن القرآن كالعقل في أنه يدل على ما نقول، وإن كانت دلالته على طريق التأكيد» (1343) .

(د) إثارة الانتباه والتذكير، لتحريك العقل وإعمال الفكر، فالنص يرد على المكلف ليشحذ همته ويبعثه على البحث والتنقيب عن أدلة العقول وحججها، وهذه وظيفة النقل، بل وظيفة الرسل أنهم منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر، والله عز وجل إنما خاطب بتلك النصوص ليبعث المكلف على النظر والاستدلال، بما ركب في العقول من الأدلة، أو لأنه علم أن المكلف عند سماعه والفكر فيه يكون أقرب إلى الاستدلال عليه منه لو لم يسمع ذلك (1344) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت