فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 584

نعلم القديم تعالى عدلًا، حكيمًا، عالمًا لذاته، مستغنيًا عن فعل القبائح- لم نعلم صحة السمع (1335) ، وبنفس التعليل يمنع الاحتجاج بالأدلة النقلية على صفات الإرادة والمشيئة (1336) وأفعال العباد (1337) وما أشبه ذلك.

وفي بعض الأحيان يستدل القاضي بأدلة نقلية على مسائل التوحيد والعدل، كنوع من التقوية والتأكيد لما ثبت عقلًا، وعندئذ يبادر المعلق على «شرح الأصول» وهو أحمد بن الحسين بن أبي هاشم بالتعقيب (1338) ليزيل ما يمكن أن يطرأ من إحساس بالتناقض بين النظر والتطبيق، مبينًا أن القاضي لم يورد ذلك على طريقة الاستدلال والاحتجاج؛ فإن الاعتماد على السمع في هذه المسائل متعذر، وإنما أوردها على سبيل المعارضة والاستئناس، وتبدو الأمور كما لو كان الاحتجاج بالسمع خطأ منهجيًّا يجب الاعتذار عن الوقوع فيه!

والظاهر أن المعتزلة قد شعروا بما يمكن أن يحدثه ادعاؤهم بعدم جواز الاستدلال بالقرآن على مسائل التوحيد والعدل- من عواقب غير حميدة، وسوء فهم، والنظر إليهم كطائفة غير مُعظمة للنصوص ولا مُنزلة لها المنزلة اللائقة بها، ومهملة للنقل ومعولة التعويل الكامل على العقل وحده، وبهذا يصح كل ما رماهم به مخالفوهم من تهم ومطاعن، ومن ثم حاول منظِّر المذهب -القاضي عبد الجبار- أن يخفف من هذه القاعدة الاعتزالية، وأن يقدم توجيهًا سائغًا، ومقبولًا لها.

ويتلخص توجيه القاضي في أن المعتزلة لا يقولون: إن القرآن ليس بدلالة، وإنما يذهبون إلى أن إمكانية الاستدلال به لا تتم إلا بعد معرفة الله تعالى، وهو يقول في هذا الصدد: «ولسنا نقول فيما يدل على التوحيد: إنه ليس بدلالة، لكنا نقول: إن وجه الاستدلال به لا يصح إلا بعد معرفة الله تعالى؛ ولذلك نصفه بأنه لطف وتأكيد وبعث على النظر والحجاج» (1339) ، ولا أظن أن في هذا التبرير ما يدفع الإشكال أو يزيله، وليس ثمة فرق كبير بين ما نفاه أو أثبته، وسواء أقلنا: إن القرآن ليس بدلالة على مسائل التوحيد والعدل، أم قلنا: إن الاستدلال به لا يصح إلا بعد معرفة الله تعالى- فالمحصلة النهائية واحدة، وهي أن القرآن في هذه النوعية من المسائل ليس بحجة مستقلة، وإنما غايته أن يكون مؤكدًا لما قرره العقل، ثم هو مشجع وحاثٌّ للنفوس على إعمال الفكر والنظر، أما أن يكون مساويًا لأدلة العقول أو مغنيًا عنها أو على أحسن الأحوال مساويًا لها- فذلك غير ممكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت