فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 584

ثانيًا: النشاط الحديثي للمعتزلة

ونعني به محاولة استكشاف الجهود الاعتزالية لدراسة الحديث؛ سواء أكان ذلك رواية وحفظًا، أم تأليفًا لكتب حديثية، أم شرحًا لأحد المصنفات المشهورة، بما يظهر مكانة السُّنَّة عندهم، والمساحة التي احتلتها من الحجم الكلي لنشاطاتهم العلمية.

والاتجاه السائد أن أئمة المعتزلة لا علم عندهم بالحديث إلَّا ما ندر، وليس بينهم متخصص فيه روايةً أو درايةً، ومن ثم فهم لا يميزون بين غثه وسمينه أو صحيحه وسقيمه، وقد تتابعت الأقوال في وسمهم بذلك؛ مما دفع أحد رجال المذهب وهو أبو القاسم البلخي (ت 319 هـ) إلى تصنيف كتاب مستقل، حاول به أن يسد تلك الثغرة، ومزج قواعد الجرح والتعديل، وتصحيح الأحاديث وتضعيفها بمشرب اعتزالي يجعل موافقة الأحاديث لأصول المعتزلة العاملَ الأهمَّ في تصحيحها، ومخالفة تلك الأصول -وحده- كفيلًا بتضعيفها، ولو كانت في الصحيحين.

وعنوان هذا الكتاب «قبول الأخبار ومعرفة الرجال» (540) وقد بيَّن البلخي في مقدمته أن أهم الدواعي التي حدت به لتأليفه «أن ينظر شباب أصحابنا فيما بينتُ ويعرفوه، فإنهم لا يكادون يلتفتون إليه، وخصومهم يتسلقون عليهم من جهته، وينسبونهم إلى قلة العلم به، وربما أخجلوهم في الذي يسألونهم عنه» (541) فالكتاب -إذن- محاولة لشحذ عزائم شباب المعتزلة؛ لكي يهتموا بتعويض التقصير في الجانب الأثري، والناتج عن إغراقهم في المباحث العقلية الكلامية، وكلام البلخي ينطوي على اعتراف واضح بقصور أصحابه في علم الحديث، وأنه ليس من تخصصهم، وعلى منواله يتعجب الجاحظ من ترك المتكلمين -بصفة عامة- القول في تصحيح الأخبار والعناية بها، مع ما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة، وبالأخبار يعرِف الناس النبي من المتنبي، والصادق من الكاذب، والاجتماع من الفُرقة، والشذوذ من الاستفاضة (542) .

وأما غير المعتزلة فلهم نصوص متعددة في هذا المعنى، فالباقلاني (543) ينفي أدنى علم للمعتزلة بالحديث، ويجزم بأنه لا بصيرة لأحد منهم بعلومه، وكل متكلم في الحديث وعلله منهم فهو عالة على غيره من المذاهب، ويَعدُّهم ابن تيميَّة «من أقل الناس علمًا بالأحاديث النبوية، وأقوال السلف في أصول الدين وفي معاني القرآن، وفيما بلَّغوه من الحديث» (544) ويصفهم المقبلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت