فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 584

منهجهم العام (1808) ؛ لكن من المستغرب وغير المتوقع، أن توجد لدى الأشاعرة الرافضين للتحسين والتقبيح العقليين، والموجبين للنظر شرعًا، والذين طالما افتخروا بإقامة التوازن الدقيق، والوسطية الجامعة بين النقل والعقل، وها هو التوازن المنشود ينهار وتميل الكفة ناحية العقل على حساب النقل، وأظن أنه ليس ثمة كبير فرق بين مذهب المعتزلة ومذهب متأخري الأشاعرة في هذه القضية (1809) ، والأخطر من هذا وذاك أن يقال: إن تقديم العقل على النقل عند التعارض محل اتفاق جميع المسلمين سوى من لا يُعتد بكلامه، مع أن النقد الموجه لتلك الفكرة من علماء مختلفي المشارب أشهر وأكثر من أن نفصِّله في هذا الموضع، فضلًا عن اللوازم والنتائج الخطيرة التي تترتب عليها، وسنحاول أن نشير إلى طرف من هذه الانتقادات بصورة موجزة.

ويتعين علينا أولًا أن نحرر المراد من طرفي القضية «النقل، والعقل» وتحديد محل النزاع حولهما تحديدًا دقيقًا، لا سيما وأن أمامنا عدة صور واحتمالات يشوبها الكثير من الإجمال والالتباس، وابتداءً لا بد من التساؤل عن المراد بالدليل النقلي الذي سيقدم العقل عليه عند التعارض:

(أ) هل هو الدليل النقلي الذي لم يصح سنده لوجود إحدى العلل التي تطعن في ثبوته؛ كأن يكون حديثًا ضعيفًا أو موضوعًا؟

(ب) أم هو الدليل النقلي الذي صحَّ سنده لكن فُهم معناه بصورة غير دقيقة مما أدَّى إلى تحريف دلالته عن مقصودها الأصلي؟

(جـ) أم هو الدليل النقلي الذي صحَّ سنده، وفُهم فهمًا قويمًا حسب قواعد التفسير الشرعية واللغوية المقررة، وطبقًا لنصوص الشرع الأخرى الواردة في نفس الموضوع؟

لا شك أن الصورتين الأولى والثانية غير داخلتين في مفهوم الدليل النقلي أصلًا، فما لم يصح سنده ليس بحجة معتبرة ولا دليلًا ذا قيمة، وما فُهم خطأ فالذنب والتبعة على من أساء الفهم، وليس على الشرع، أما الصورة الثالثة فسبق أن نقلنا اتفاق المسلمين جميعًا -بمن فيهم المعتزلة والأشاعرة- على امتناع تعارض النقل الصحيح الثابت مع أدلة العقول ومقرراتها، بما يؤكد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت