فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 584

كلامهم حول قضية تقديم العقل على النقل ينصبُّ على النقل غير الثابت أو المفهوم خطأ، وليس على الصورة الثالثة.

وهذا النقل بدوره ينقسم إلى قطعي الثبوت والدلالة، وظني الثبوت والدلالة، ولا بدَّ من تحديد نصيب الدليل من هذين القسمين، ولا يترك مرسلًا أو مجملًا دون تفصيل، كما أن الدليل العقلي الذي يُظن معارضته للعقل هو الآخر إما قطعيًّا وإما ظنيًّا، ويجب أن تكون مقدماته صحيحة في نفسها ومتفقًا عليها، وإلا فعقل زيد يختلف عن عقل عمرو، والمعقولات ليس لها ضابط يضبطها، ولا هي منحصرة في نوع معين، والعقليات المحضة؛ كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ودوام الحوادث في الماضي والمستقبل -قد اختُلف فيها اختلافًا كبيرًا جدًّا، وكل طائفة تدعى أن العقل دلَّ على صحة قولها وفساد قول الخصوم، فمُثبت الصفات يقول: إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة، كما أن نافيها يقول: إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة، ونفس الحال في مسألة رؤية الله في الآخرة، وأفعال العباد هل هي مخلوقة أم لا؟ وغير ذلك الكثير؛ بل وصل الأمر إلى التنازع في الضروريات، ففريق يدعي أن قول خصمه محال بضرورة العقل، ومنازعه يدعي أنه ممكن بضرورة العقل، ولا يعني هذا عدم وجود دليل عقلي صحيح، متفق على ثبوته؛ وإنما المراد بيان أن كثيرًا مما ادُّعى مخالفته للنقل غير ثابت في نفس الأمر (1810) .

كما أن كون الشيء معلومًا بالعقل، أو غير معلوم به ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء؛ بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال تعقله ما يجهله في وقت آخر، وجل المسائل التي ادُّعي تعارض العقل والشرع حولها اضطرب فيها أرباب العقول، ولم يتفقوا على قول واحد (1811) ، ولا ننسى مسيرة الفلسفة الطويلة حيث ظهرت عشرات الاتجاهات والمذاهب، وكل مذهب أو مدرسة تناقض ما قبلها، وتهدم أصولها، اعتمادًا على العقل ومقرراته، ثم يأتي اتجاه جديد يهدم السابق، ويرد عليه بالعقل أيضًا دون ما سواه.

وهكذا نستطيع أن نعيد تحديد المشلكة بطريقة أخرى، ويصبح التوصيف الصحيح لطرفيها هو: التعارض بين نقل غير ثابت، أو بين ما فُهم من النقل بحسب رؤية الناظر فيه، وبين الدليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت