فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 584

بالنص القرآني- وإنما في دلالتها على صدق الرسول، وهي الغاية التي من أجلها يؤيد الله الأنبياء بالمعجزات.

لكن الموقف الاعتزالي طرأ عليه نوع تغيير فيما بعد (717) ، وتبدلت آراؤه تُجاه المعجزات الحسية؛ فأثبتها الجبائيان، بل قالا: إن بعضها ثبت اضطرارًا (718) ، وذكر القاضي العديد منها -لا سيما في كتابه «تثبيت دلائل النبوة» - ونبه إلى «أن كثيرًا من المعجزات التي ليست في القرآن يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن» (719) ، وهذا يدل على تواترها، ونسب إلى كلٍّ من أبي الهذيل العلَّاف، والجاحظ، ومحمد بن شبيب -وأمثالهم من قدماء المعتزلة- القولَ بأنها معلومة بطريق الضرورة، وكذا مال إلى هذا أبو عمر الباهلي وأبو هاشم الجبائي، مما يشير إلى أن جمهور المعتزلة يثبتونها، ويقرون بورودها -في الجملة- عن طريق التواتر المفيد للعلم الضروري؛ ولكنها -للأسف- لا ترقى لأن تكون حجة يُستدل بها على غير المسلمين (720) والمعوَّل الوحيد إنما هو على العقل والقرآن، وقد يُبرَّر هذا الصنيع بأن غير المسلم لا يُسلِّم بصحتها؛ لكن لا يخفى أنها كأخبار متواترة تعد حجة تلزم كل عاقل، لا فرق بين مسلم وكافر، وما من نبي إلَّا واحتج على المعاندين من قومه بالمعجزات على اختلاف صورها.

ويلاحظ أن هذه الفكرة الاعتزالية قد تسربت إلى عدد من المعاصرين، ذوي الاتجاهات المعتنية بالعقل، والمُعلية من شأنه، والمؤكدة على دوره، بدءًا من الشيخ محمد عبده، ومرورًا بنفر غير قليل من تلامذته والمتأثرين بفكره؛ والذين لم يعولوا كثيرًا في تفاسيرهم أو كتاباتهم في السيرة على ذلك النوع من المعجزات؛ بل حصروا اهتمامهم وجهودهم في التركيز على القرآن كمعجزة كبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، متأثرين -في موقفهم هذا- بظروف العصر، وشيوع النزعة العلمية الطاغية؛ والتي تأبى بشدة كل ما يصعب على العقل أن يفسره، أو يعز عليه إدراكه، وقد أثارت آراؤهم حول هذا الموضوع معارك فكرية متعددة، اشتعلت فيها حدة النقاش وعلت درجته، وتوالت الكتابات من كلا الطرفين -المؤيد والمعارض- لتثبت صحة دعواها، وزيف آراء المخالفين وحججهم (721) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت