المبحث الثالث
حجية أحاديث الآحاد
تبين من خلال المبحث السابق أن جُلَّ أحاديث السُّنَّة -من وجهة النظر الاعتزالية والأشعرية- مرويٌّ بطريق الآحاد، ولا يمثل المتواتر منها سوى نسبة ضئيلة لا تكاد تُذكر، مما يدل على أن البحث في حجية أحاديث الآحاد ومدى إمكانية الاستدلال بها في إثبات المسائل العقدية يمثل عمليًّا حقيقة موقف المدرستين من حجية السنة.
وقد حظيت دراسة هذا النوع من الأخبار باهتمام كبير، قديمًا وحديثًا، ودار حولها نزاعٌ طويل الذيل، ما بين محتج بها ومعتمد عليها في العقيدة والفقه إذا توافرت شروط ثبوتها، وما بين مفرق بين مجالي الاعتقاد والتعبد، وثمة فريق ثالث اتخذ من الطعن فيها سلمًا يرقى من خلاله للطعن في السنة ككل؛ لأن التشكيك في الآحاد -وهي تمثل الشطر الأكبر منها- سيؤدي بطريقة أو بأخرى إلى فقدان الثقة في السنة بأسرها.
وقد تعددت المناقشات والردود بين كل اتجاه من الاتجاهات المذكورة، وأُلِّف عدد كبير من الكتب سواء لقدماء (741) أو لمعاصرين، ونظرًا لتشعب الموضوع واتساع مناحي البحث في عناصره فسوف نركز على ثلاث مسائل رئيسية، تمثل لب الخلاف في هذه القضية، وترتبط مع بعضها البعض برباط وثيق، بحيث يترتب على القول بواحدة منها اتخاذ موقف معين تجاه ما بعدها، والمسائل الثلاث التي سيدور بحثنا حولها هي:
(أ) مدى إفادة أخبار الآحاد للعلم، وهل يمكن أن نتحصل على العلم الجازم بواسطتها أو لا يفيد خبر الواحد سوى الظن في جميع أحواله.
(ب) الاحتجاج بأخبار الآحاد في مجال التعبد.
(جـ) الاحتجاج بأخبار الآحاد في مجال الاعتقاد.
وبناء على استخلاص آراء المذهبين في كل مسألة من المسائل المشار إليها يمكن أن نخرج بصورة واضحة لحقيقة موقفهما من الاحتجاج بأخبار الآحاد في مجال الاعتقاد، وكيفية التعامل مع