فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 584

المبحث الأول

التأويل

كان التأويل ولا يزال مثار العديد من الإشكالات والتساؤلات حول تحديد مفهومه ومدى مشروعيته، وما حدوده وضوابطه وشروطه؟ وفي أي مجال يُستخدم؟ ولماذا؟ وهل هو ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها؟ وغير ذلك الكثير من القضايا الشائكة والمتعلقة بالتأويل على سبيل العموم، أو بأحد أنواعه كالتأويل الكلامي أو الفلسفي أو الصوفي أو الفقهي على وجه الخصوص.

ويمثل التأويل واحدًا من أبرز الأسباب التي كانت مدعاة لاختلاف المتكلمين، (1836) ولا سيما المدرستين اللتين معنا وهما المعتزلة والأشاعرة، ويرجع ذلك إلى طبيعة التأويل ذاته، فهو عمل عقلي، والعقول متفاوتة والأفهام متباينة ومتنوعة؛ مما يؤدي إلى كثرة التأويلات وتشعبها، كما يرجع من ناحية أخرى إلى طبيعة المؤول من حيث الفكر والمذهب؛ إذ كلٌّ يؤول بما يوافق رأيه وينصره ويبطل رأي خصمه ويفسده.

ولا ينشأ التأويل أو تمس الحاجة إليه عند أصحابه إلَّا في وجود مشكلة لا يمكن حلها إلَّا بواسطته، وهذه المشكلة -فيما يبدو لي- تتلخص في أصل واحد متعدد الصور والفروع، وهو الإحساس بنوعٍ من التعارض بين عنصرين؛ أحدهما: ثابت، وهو النص الشرعي، أو بتعبير أكثر دقة ما يُفهم من ظاهر النص وفقًا للأساليب اللغوية المقررة، والآخر: متغير، فقد يكون العقل أو الذوق أو آراء المذهب أو مقررات العلم التجريبي أو الواقع ومشكلاته أو نص شرعي آخر لا يتواءم مع النص الأول، وهنا يأتي دور التأويل؛ ليحل لنا هذا التعارض المفترض، ودائمًا ما يكون الحل على حساب العنصر الأول لا الثاني، فالنص هو الذي يُتعامل معه بشتى الطرق، ليتفق مع العنصر المتغير الذي أشرنا إليه؛ لأنه في نظر المؤول الأرجح والأولى بالاتباع.

والتأويل في مجمله ظاهرة لم يخلُ منها دين يشتمل على نص مقدس، يشعر أتباعه المؤمنون بذلك النص في فترة من الفترات أن ثمة تعارضًا بين النص وغيره، ومن هنا يبدءون في محاولة دائبة لإزالة التعارض، فتختلف بهم السبل، وتتعدد الاتجاهات والمشارب، وتتوالى الانقسامات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت