فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 584

وأظن أن المنكر والمدفوع، ليس وجود هؤلاء الصالحين في الأمة، فهم بحمد الله لا يخلو منهم عصر؛ وإنما المشكلة في اشتراط وجود واحد منهم بين رواة المتواتر، بدون إقامة برهان على ذلك الشرط، ثم نفي العلم بأخبار غير المسلمين، ولو تواتر على أمر محسوس؛ ولذلك لم يجد الخياط مناصًا من تخطئة هشام والعلاف في القول بهذا المذهب (678) ، ولعل أبا الهذيل بشروطه الغريبة هذه في باب التواتر قد ساعد من حيث لا يدري على تمهيد الطريق لأن يرميه عبد القاهر البغدادي -خصم المعتزلة اللدود- بتهمة في غاية الخطورة، حيث قال: «ما أراد أبو الهذيل باعتبار عشرين في الحجة من جهة الخبر، إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة إلَّا تعطيل الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية عن فوائدها» (679) .

سبق حكاية مذهب هشام في المتواتر، وأنه موافق للعلاف في اشتراط العشرين، وبينهم رجل من أهل الجنة؛ لكن الغريب أن هشام سار في مذهبه إلى مدى أبعد، فأنكر عددًا من الأمور المتواترة التي لا يخالف في ثبوتها من له أدنى إلمام بالتاريخ الإسلامي، وما جرى خلاله من وقائع وأحداث.

ومن أشهر الوقائع التي أنكرها هشام أن عثمان رضي الله عنه حُصر، وقتل غيلة؛ حيث زعم أن شرذمة قليلة قتلوه غرة، من غير حصار مشهور، كما نفى أن يكون علي، وطلحة، والزبير رضوان الله عليهم، جاءوا لقتال يوم الجمل، وإنما برزوا للمشاورة، وتقابل أتباع الفريقين في ناحية أخرى (680) ، وقد حكى أبو الحسن الأشعري قريبًا من تلك الأقوال عن عباد بن سليمان (681) .

ويبدو أن إنكار هشام لتلك الأخبار المتفق على وقوعها راجع لأحد أمرين:

الأول: عدم توافر شروط المتواتر عنده من رواية العشرين، وبينهم رجل من أهل الجنة في تلك المرويات.

الآخر: محاولته تبرئة ساحة الصحابة مما يمكن أن يُظن بهم، ولو على حساب حقائق التاريخ وبدهياته (682) ، وهذا العامل الثاني هو الذي دافع به الخياط في «الانتصار» عن أقوال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت