فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 584

والمعنى العام للآية، وإن كان لبعض المتأخرين محاولات لوضع ضابط مطرد في التفريق بين الاستعمالين (1521) ، فحيثما ورد الظن محمودًا مثابًا عليه فهو اليقين، وحيثما ورد مذمومًا متوعدًا عليه بالعذاب فهو الشك، وكل ظن يتصل بأن المخففة فهو شك، كقوله تعالى: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا} [الفتح: 12] وما اتصل بأن المشددة فهو يقين، كقوله تعالى: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} [الحاقة: 20] .

استعمل مصطلح «اليقين» في عدد من العلوم، وتنوع معناه تبعًا لذلك؛ حيث ورد عند كلٍّ من المناطقة والفلاسفة والصوفية والمتكلمين، ويهمنا هنا المفهوم الكلامي والذي يتشابه في مجمله مع التعريف المنطقي، فاليقين هو: الاعتقاد الجازم المطابق الثابت الذي لا يزول بتشكيك المشكك (1523) ، فخرج بقولنا: «الجازم» الظن؛ لأنه غير جازم، وخرج بقولنا: «المطابق» الجهل؛ لأنه غير مطابق، وخرج بقولنا: «الثابت» اعتقاد المقلد؛ لأنه غير ثابت وقابل للتشكيك.

ويؤكد المعتزلة والأشاعرة على اشتراط تحقق سكون النفس في مفهوم اليقين، ويرادفون بينه وبين العلم، معرِّفين الأخير بأنه «الاعتقاد المقتضي لسكون النفس إلى أن معتقده على ما اعتقده عليه» (1524) ، ويمكننا أن نتلمس عند الغزالي -الذي يعد أبرز من اهتم بقضية اليقين من بين الأشاعرة سواء من ناحية مفهومه أو طرق تحصيله (1525) - مقياسًا مقاربًا للمقياس الاعتزالي؛ حيث عرَّف اليقين بأنه «الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك» (1526) ، ويتضح من تعريف أبي حامد أن شرط اليقين شعور القلب بالأمان التام، شعورًا لا يبقى معه أي مجال للغلط والشك، وعليه فإن كل علم حصل معه ذلك الأمان كان يقينًا، وما لا أمان معه فهو غير يقيني.

ومن المهم أن نميز بين نوعين من اليقين؛ أحدهما: ذاتي، والآخر: موضوعي (1527) ، فالذاتي: هو الذي لا يستطيع صاحبه أن ينقله إلى غيره، ومنه شعور المرء بما في نفسه من أحاسيس داخلية، كالجوع والعطش والتصديق والتكذيب والإيمان والكفر، وأما الموضوعي: فهو المستند إلى أسباب تفرض نفسها على العقول، وتقوم على براهين قطعية لا تقبل المعارضة أو النقاش،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت