فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 584

لا يكتمل عرض الموقفين الاعتزالي والأشعري من حجية الدليل النقلي وكيفية التعامل معه ويتضح بصورة كافية إلَّا إذا تطرقنا لدراسة آرائهم حول علاقته بالعقل؛ وذلك لما بين الدليلين من تلازم وارتباط وثيق، فقد حاولت جُلُّ الفِرَق الكلامية تأسيس الحجج والبراهين التي عولت عليها في مختلف المسائل على دعامتين من النقل والعقل، انطلاقًا من تحديدهم لطبيعة علم الكلام وفهمهم لها وحصرهم لوظيفته في نصرة العقائد الثابتة شرعًا، والبرهنة عليها بأدلة عقلية، والرد على شبه المخالفين واعتراضاتهم، فنقطة البدء والانطلاق هي النقل، وأداة السير والاحتجاج هي العقل، ولا بد من الاعتماد عليهما معًا.

وقد تحولت ثنائية «النقل والعقل» وحدود الصلة أو العلاقة بينهما إلى مشكلة شائكة، وحاول كل اتجاه أن يبحث لها عن حل، أو مجموعة من الضوابط التي تحكم التعامل معها، وعلى أساس النظرة إليها تشكلت مواقف كثير من المدارس الفكرية في احتجاجهم بالدليل النقلي، وتعددت الشروط التي أوجبوا توافرها وتحققها حتى يتسنى الأخذ به في إثبات الأحكام العقدية، وصار من الضروري للنص ألا يخالف العقل أو يتعارض مع مقرراته، وإلا انتفت حجيته ولم يعد صالحًا للتعويل عليه؛ لأنه طبقًا لفكرة الدور لم يثبت أو تُعرف صحته إلَّا بالعقل، فهو فرع وتابع، ولا يتصور أن يخالف الفرع أصله أو يتقدم عليه.

ولكن هل تمثل هذه القضية مشكلة حقيقية بالفعل تستحق كل ما دار حولها من جدال واختلاف، أم أنها واحدة من المشكلات الزائفة التي وُجدت في ظروف وملابسات تاريخية معينة نتيجة مجموعة من العوامل، ثم ظلت تنمو وتزداد حدتها مع مرور الأيام دون وجود سبب معقول لنشأتها، فضلًا عن استمرارها؟

أظن أن إثارة مثل هذه القضية، إن كان له ما يبرره في الأديان الأخرى السابقة على الإسلام، والتي اشتملت كتبهم المقدسة -بعد تحريفها- على كمٍّ كبيرٍ من الأخبار والاعتقادات التي تضاد العقل أو تخالفه، فليس هناك مجال مطلقًا لوجودها في إطار الفكر الإسلامي ذي الخصائص والسمات المتميزة، والأصول والقواعد الكلية، التي لا يمكن أن تتعارض بحال مع العقل ومقرراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت